Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار الشرق الأوسط

حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر

يدرس هذا الكتاب حراك 22 فبراير بوصفه ظاهرة معقدة (أو مركبة) بأبعاد متعددة ومتآثرة، محلية وإقليمية ودولية، ومادية واجتماعية وخطابية، وسياسية – اقتصادية وأمنية وقانونية

صدر عن “المركز العربي” للأبحاث ودراسة السياسات كتاب “حراك 22 فبراير 2019 في الجزائر: انتفاضة واحدة ومقاربات شتَّى”. وهو كتاب جماعي حرره محمد حمشي، ويقع في 516 صفحة، شاملةً فهرسًا عامًّا. ويتكون من مقدمة وأربعة عشر فصلًا.

يتناول المحرر، في المقدمة، مخاض حراك 22 فبراير وولادته في أطراف البلاد، قبل مركزها. فيقدم قراءة في حادثة إزاحة صورة الرئيس الأسبق عبد العزيز بوتفليقة من جدار مبنى بلدية خنشلة شرق الجزائر، ودوسها بالأقدام، في 19 شباط/ فبراير 2019؛ كما يشير إلى مسيرات مدينة خراطة، شرق الجزائر، في 16 شباط/ فبراير، ومظاهرة مدينة باريس في فرنسا، التي شارك فيها مغتربون جزائريون، في 17 شباط/ فبراير، احتجاجًا على ترشح الرئيس عبد العزيز بوتفليقة لولاية خامسة. ويتناول في المقدمة أيضًا السياق العفوي والعرضي الذي ولد فيه شعار الحراك الأبرز، “يتنحَّاوْ ﭬاع” (يجب أن يرحل الجميع)، المشابه لشعارات رفعتها الانتفاضات في بلدان عربية أخرى؛ ليخلص إلى أن الحراك العربي في كُليته، بدءًا بانتفاضات عام 2011 وصولًا إلى انتفاضات عامَي 2018 و2019، يشبه الهولوغرام الذي يتماثل فيه الجزء والكل؛ “إنه أشبه بالصورة التي كلما واصلتَ تجزئتها، حصلتَ على أجزاءَ أصغرَ فأصغرَ ترى في كل جزءٍ منها الصورةَ الكليةَ نفسَها، لكن بمقاييس أصغرَ فأصغر”.

يدرس هذا الكتاب حراك 22 فبراير بوصفه ظاهرة معقدة (أو مركبة) بأبعاد متعددة ومتآثرة، محلية وإقليمية ودولية، ومادية واجتماعية وخطابية، وسياسية – اقتصادية وأمنية وقانونية. لذلك، فهو يسعى إلى تزويد القارئ بمقاربة متعددة الاختصاصات وعابرة لها. وتتقاطع فصول الكتاب، التي كتبها باحثون من خلفيات معرفية متنوعة، لتتجاوز الجدل بشأن ما إذا كان حراك 22 فبراير ظاهرة محلية صرفة يستمد زخمه من سجل الاحتجاجات التي سبقته، أم إنه امتدادٌ لثورات ربيع 2011 العربي من ناحية، وانتفاضةٌ من انتفاضات موجة الربيع العربي الثانية، التي شهدها أيضًا السودان والعراق ولبنان بين عامَي 2018 و2019، فضلًا عن حراك الريف في المغرب في عام 2017.

يضم الكتاب، بين دفتيه، أربعة عشر فصلًا، تناقش طيفًا واسعًا من الإشكاليات ذات الصلة بحراك 22 فبراير. وقد صُمِّم بنيانه كي يسمح للقارئ، بدايةً بالفصول الثلاثة الأولى (التي كتبها محمد حمشي وعبد النور بن عنتر؛ ومحمد نعيمي؛ وديدي لوساوت) بوضع حراك 22 فبراير في سياقٍ زمني يستغرق عقدًا كاملًا من التحولات الإقليمية، المتداخلة والمعقدة، ومن ثم مقارنته بانتفاضات الربيع العربي بموجتيه الأولى والثانية، والوقوف على حدود سردية “الاستثناء الجزائري”؛ فضلًا عن وضع هذا الحراك في سياق المكان، إذ لا يلقي الضوء على الارتباط المكاني بين حراك الجزائر وانتفاضات بلدان الجوار الإقليمي فحسب، بل أيضًا على الارتباط المكاني بين حراك الداخل في الجزائر وحراك الشتات في المهجر.

ثم ينتقل بنيان الكتاب بالقارئ، في الفصلين الرابع والخامس (اللذين كتبهما سليم شنة ومحمد حمشي)، إلى تمثلات التاريخ والهوية والبنى الخطابية مع انبثاق الحراك وفي أثناء سيرورته. وبعد ذلك، يتدرج بالقارئ، في الفصلين السادس والسابع (اللذين كتبهما عبد القادر عبد العالي وعادل أورابح) نحو السلطة وتوازنات القوة في بنية نظام الحكم القائم قبيل نشوب الحراك وأثناءه. وفي الفصول الثامن والتاسع والعاشر (التي كتبها عبد النور بن عنتر وعربي بومدين وياسر درويش جزائرلي)، يتابع القارئ نقاشًا مفصلًا بشأن تحولات سياسة الجزائر وعقيدتها الأمنية في ظل الحراك، ببعديها الداخلي والخارجي، ثم يتوقف عند (غياب) دور العامل الخارجي ليعود إلى وضع الحراك في سياق الاضطرابات الجيوسياسية التي يشهدها جوار الجزائر الإقليمي.

وفي الفصل الحادي عشر (الذي كتبه يامين بودهان)، يستكشف القارئ تحولات المجال الإعلامي في الجزائر زمن الحراك. ثم يستكشف في الفصل الثاني عشر (الذي كتبه خالد منة ورضا حمزة بوجانة) الظلال التي يلقي بها الاقتصاد السياسي للانتقال الديمقراطي في الجزائر على العلاقة بين الاقتصاد الريعي والإصلاح السياسي من ناحية، وبين الأزمة الاقتصادية والاحتجاج والانتقال الديمقراطي من ناحية أخرى. أخيرًا، يتوقف الكتاب بالقارئ، في الفصلين الثالث عشر والرابع عشر (اللذين كتبهما كمال جعلاب وعدنان نويوة)، عند التحولات القانونية – الدستورية التي شهدتها فترة الحراك، وآفاق كل ذلك على أحد أبرز مطالب الحراك، وهو القضاء على الفساد.

تتكثف أطروحات الكتاب حول ست إشكاليات رئيسة، يلتقي عند بعضها أكثرُ من فصل، وينفرد بنقاش بعضِها الآخر فصلٌ واحد لا أكثر. هي: 1. المحلي والإقليمي في حراك 22 فبراير وسردية “الاستثناء الجزائري”؛ 2. تمثلات الهوية والتاريخ في حراك 22 فبراير؛ 3. مواجهة السلطة حراك 22 فبراير بالخطابة بدلًا من الدبابة؛ 4. مفارقة الانكشاف أمام الاضطرابات الجيوسياسية وغياب دور العامل الخارجي؛ 5. الاقتصاد السياسي بوصفه كتلة جبل الجليد تحت سطح الانتقال الديمقراطي في الجزائر؛ 6. استجابة السلطة لمطالب الحراك بوصفها مسارين لا يلتقيان، دستوري خطي وسياسي غير خطي.

يشير محرر الكتاب إلى أن العديد من الأطروحات ستواجه القارئَ وهو يطالع الفصول الأربعة عشر، وهي أطروحات يدافع عنها الباحثون المساهمون مستندين إلى حجج وقرائن. ويحذّر من الانطباعات المسبقة، المجردة من الحجج، التي تتعلق بأثر الحراك بوصفه ظاهرةً احتجاجيةً كلية (تشكل بدورها جزءًا من كلٍّ أكبرَ هو ظاهرة الانتقال الديمقراطي)؛ فثمة عناصر مشكّلة لها، مثل ارتباط الحراك بالسياق الإقليمي، أو علاقات القوة/ السلطة التي حكمته أو التي انبثقت عنه، أو بناه الخطابية، أو أبعاده الاقتصادية – السياسية والاجتماعية (الهوياتية) والقانونية – الدستورية، أو تحولات أدوار فاعليه، وغيرها. وهذه العناصر يمكن مَنهجةُ التفكير بشأنها وتنظيمُه حول فرضيات قابلة للاختبار من خلال الحجاج، تأكيدًا أو تفنيدًا لها. ووظيفةُ هذا الحجاج الأساسية هي تصحيح انطباعات القارئ، من خلال تقديم المزيد من القرائن. ويخلص إلى أن مهمة الباحث تكمن في إنتاج الحجج، وما على القارئ، بوصفه مستهلكًا لها، إلا أن يتأملها ويتعقلها ويجعل منها الحَكَمَ على انطباعاته.

ويسوق مثالًا عن دور الجيش أثناء حراك 22 فبراير؛ حيث يصادف القارئ حججًا وقرائن متباينة، تحتمل تأويلات متعددة، تبدأ باستنكار الجيش المسيراتِ الاحتجاجيةَ في بدايتها، ثم ضغطه على بوتفليقة للاستقالة (بالنسبة إلى البعض استجابةً لمطلب الحراك، وبالنسبة إلى البعض الآخر توظيفًا للحراك في صراعها مع مؤسسة الرئاسة، أو كليهما)، ثم تبنّيه (بالنسبة إلى البعض “فرضه”) الخيارَ الدستوري مخرجًا من أزمة ما بعد استقالة بوتفليقة، ثم توظيفه خطابًا ضد جزء من الحراك، وصولًا إلى ما يعدّه البعض صيانةً لبقاء الدولة وتماسكها، في حين يعدّه البعض الآخر إعادة إنتاج للنظام القائم، بإجراء انتخابات رئاسية في ظل النظام الدستوري القائم. وحين يتعقَّل القارئ هذه الحجج، قد يخلص إلى أن دور الجيش كان قائمًا على منطق احتواء الحراك والحد من البدائل الانتقالية الممكنة، تمامًا كما أنه قد يخلص إلى أن لجوء الجيش إلى “مواجهة الانتفاضة بالخطابة بدلًا من الدبابة” لا يؤدي بالضرورة إلى تقويض فرص الانتقال، فقد يشكل صيانةً لبقاء الدولة وتماسكها (وهما شرطان ضروريان، رغم أنهما غير كافيَين للانتقال نفسه)، خاصةً إذا ما أُخِذت في الحسبان مقارنةُ استجابة الجيش الجزائري للاحتجاجات باستجابات جيوش دول أخرى في المنطقة العربية، سواء خلال موجة الانتفاضات العربية الأولى أو الثانية.


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *