Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار الشرق الأوسط

في القيم والحروب

في شارع ببغداد، 2003 | كريس هوندروس، Getty.

 

عندما قَدِم علي بن أبي طالب إلى البصرة، أمر جنوده بألا يبدؤوا القتال، ولا يرموهم بسهم، ولا يضربوهم بسيف، ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله الخزاعي بأخ له مقتول، وجاء قوم برجل قد رُمِي بسهم فقُتِل، فقال: اللهم اشهد، واعذروا إلى القوم. وقام يخطب في جنده، فقال: أيها الناس، إذا هزمتموهم فلا تُجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيرًا، ولا تتبعوا موليًا، ولا تطلبوا مدبرًا، ولا تكشفوا عورة، ولا تمثّلوا بقتيل، ولا تهتكوا سترًا، ولا تقربوا شيئًا من أموالهم إلا ما تجدونه في عسكرهم من سلاح أو كراع أو عبد أو أمة، وما سوى ذلك فهو ميراث لورثتهم على كتاب الله[1].

أن يخطب علي بن أبي طالب في جنده في ساحة الحرب، مجرد أن خطبته كانت في لحظة زمنية كهذه، وليس في مجلس أمام أعيان، أو حول مائدة شراب وطعام، يعني أن فيها من المعاني ما له من الأهمية، مقدارًا يجعلها ضرورة؛ حياة الإنسان وكرامته وأملاكه.

 

تمام الإحسان

إنّ حياة الإنسان وكر امته وأملاكه قيم مرتبط بعضها ببعض من ناحية، وبحرية الإنسان من ناحية أخرى. للتأكيد، الحرية، عند علي بن أبي طالب عكس العبودية، هي سيادة الإنسان على نفسه، ومن هنا قوله لابنه الحسين: لا تكوننّ عبد غيرك وقد جعلك الله سبحانه حرًّا[2].

هذه الحقوق – لا بد – قيم عليا عند علي بن أبي طالب، ولولا أنها كذلك ما كان يوصي جنده بأن يحفظوا حياة أعداء له وكرامتهم وأملاكهم، هم في ساحة الحرب يرغبون في قتله؛ فمَنْ حقًّا يرى الحياة قيمة، الحياة في حد ذاتها، وبكرامة الإنسان وأملاكه، يسعى إلى الحفاظ عليها في السلم كما في الحرب؛ فلا يُقدم على حرب ما لم يبدأها معه.

هذه الحقوق – لا بد – قيم عليا عند علي بن أبي طالب، ولولا أنها كذلك ما كان يوصي جنده بأن يحفظوا حياة أعداء له وكرامتهم وأملاكهم، هم في ساحة الحرب يرغبون في قتله…

من هنا، عندما قيل له عن الخوارج إنهم خارجون عليك، قال: لا أقاتلهم حتى يقاتلوني، وسيفعلون[3]. وعندما قدم إلى البصرة، أمر جنوده بألا يبدؤوا القتال، ولا يرموهم بسهم، ولا يضربوهم بسيف، ولا يطعنوهم برمح، حتى جاء عبد الله الخزاعي بأخ له مقتول، وجاء قوم من الميسرة برجل قد رُمِي بسهم فقُتِل، فقال علي: اللهم اشهد، واعذروا إلى القوم.

أن يخطب علي بن أبي طالب في جنده يوصيهم أن يحفظوا حياة أعداء له، وكرامتهم وأملاكهم، فيعكس طبيعة المنظومة الأخلاقية الخاصة به؛ أنها منظومة أخلاقية يكون فيها فعل الخير من أجل الخير، ولا يُرْجى من تحقيقه شيء غيره، فيكون “تمام الإحسان ترك المَنِّ به”[4]. غير ذلك؛ أي في حالة العمل وفق منظومات أخلاقية أخرى، سواء النفعية أو الواجب الأخلاقي، ستكون الرؤية غير هذه الرؤية، وسيكون التنظير غير هذا التنظير. نأخذ، مثالًا للتوضيح، تنظير القدّيس أوغسطين Augustine، الذي عاش في فترة قريبة نسبيًّا (354 – 430 للميلاد)، لما يُسَمّى ’الحرب العادلة‘[5].

 

الحرب العادلة

جمع القدّيس أوغسطين، في تنظيره لـ ’الحرب العادلة‘، بين التعاليم المسيحية من ناحية، والقانون الروماني من ناحية أخرى[6]؛ في محاولة منه للتوفيق بين متطلبات الدولة الرومانية والقيود الأخلاقية المسيحية، ووضع أسسًا تجيز حدوث الحروب وتبررها. ومع مرور الوقت، تعرضت هذه الأسس للاختصار والتبسيط، وتحددت في ثلاثة معايير:

المعيار الأول “أنه لا بد من وجود قضية عادلة. ومن الطبيعي أن تكون تلك القضية، إما عدوانًا مضى عليه عهد قريب أو ما زال واقعًا، وإما عملًا ترتب عليه ضرر بالغ على يدَي شخص آخر. أما المعيار الثاني فهو ضرورة أن تستند الحرب على ما كان معروفًا بـ ’سلطة الملك‘، ويمكن التعبير عن طريق سلطة شرعية، وجرت العادة أن تكون تلك السلطة علمانية. وعُرِف المعيار الثالث بـ ’الهدف القويم‘؛ وهو ما يعني أن كل مشارك في الحرب يجب أن تكون دوافعه سامية، وأن يؤمن بأن الحرب هي الوسيلة الوحيدة التي لا بد منها لتحقيق الهدف الذي من أجله خاض غمارها[7].

وهكذا، تغير موقف الكنيسة من الحرب؛ “فصارت ضرورة بعد أن كانت خطيئة”[8]، وهكذا، كانت الكنيسة الكاثوليكية هي مَنْ أصدر قرار الخروج إلى الحرب؛ ففي 24 تشرين الثاني (نوفمبر) 1095، وأمام مَجْمَع عقد في كليرمونت[9]، دعا البابا أوربان الثاني Urban II إلى إطلاق الحملة الصليبية الأولى، وشرح ضرورة الخروج إلى الحرب، قائلًا: إن الأتراك السلاجقة؛ ذلك العرق البربري القادم من آسيا الصغرى، عرق ملعون؛ عرق غريب تمامًا عن الله، وإنّ قتلهم عمل مقدس، واجب مسيحي[10]. ومن نوافل القول أنها كانت حروبًا مثل الحروب الأخرى، من حيث الويلات وكثرة الدماء، فأظهرت “الدين المسيحي بأبشع صوره”[11]. ولهذا؛ أي لأنها كانت حروب قتل وسلب ودمار، فهي عند العرب ’حروب الفرنجة‘، وليست ’حروبًا صليبية‘.

’الحرب العادلة‘، تُنتج: كثرة في الحديث عن القيم الأخلاقية (…) وعن الحرية، وعن الديموقراطية، وعن المساواة، وعن الكرامة الإنسانية، يرافقه استعمار خيرات الشعوب واستغلالها…

لا أراني أحتاج إلى المزيد؛ من أجل تبيين الاختلاف بين العمل، وفق المنظومة الأخلاقية الخاصة بعلي بن أبي طالب وتلك الخاصة بـ ’الحرب العادلة‘ التي أنتجت حروب الفرنجة وويلاتها، ولا أظنني أحتاج إلى أن أتوقف لأبين، بالتحليل، أن هذين نظامان أخلاقيان لا يمكنهما أن يُنْتِجا طريق حياة واحدة، أو حتى متشابهة؛ فواحدة، أقصد تلك الخاصة بعلي بن أبي طالب، تنتج: تمام الإحسان ترك المَنِّ به، وما يتفق ويتسق معها من مثل: ما أحسنت إلى أحد ولا أسأت إليه[12]؛ أي إن أحسن الإنسان فقد أحسن إلى نفسه، وإن أساء فقد أساء إليها. وتُنتج، حين الحروب والمعارك، خطبة في الجند ألا يقتلوا أسيرًا، وألا يتبعوا موليًا، ولا يطلبوا مدبرًا، ولا يكشفوا عورة. وواحدة، أقصد تلك الخاصة بـ ’الحرب العادلة‘، تُنتج: كثرة في الحديث عن القيم الأخلاقية، بل إفراطًا في الحديث حد الملل، وعن الحرية، وعن الديموقراطية، وعن المساواة، وعن الكرامة الإنسانية، يرافقه استعمار خيرات الشعوب واستغلالها، وحين الحروب والمعارك ينقلب حديثهم ليصير عن الأعراق البدائية، البربرية الملعونة، ويكون موت كثير، ودم كثير، وأشلاء أجساد.

 


إحالات

[1] المسعودي، مروج الذهب ومعادن الجوهر، بيروت: المكتبة العصرية، 2005، الجزء الثاني، 282-283.

[2] محمد الريشهري، ميزان الحكمة، بيروت: دار الحديث، 1422 هـ، الجزء الثاني، باب: الحرية، مادة 3557 صفحة 768.

[3] أحمد بن محمد بن عبد ربه الأندلسي، العقد الفريد، تحقيق مفيد محمد قميحة، بيروت: دار الكتب العلمية، 1983، الجزء الثاني، 232-233.

[4] عبد الواحد بن محمد تميمي آمدي، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، قم: مكتب الإعلام الإسلامي، غير مؤرخ، مادة 8927 صفحة 389.

[5] هو أول مفكر عالج مسألة تبرير الحرب على أساس ديني، وربما لا يزال أوغسطين هو أكثر مَنْ عالج مسألة الحروب على أسس مسيحية ماهرة. (قاسم عبده قاسم، ماهية الحروب الصليبية، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 1990، 29).

[6] ديفيد فيشر، أخلاقيات الحرب: هل تكون الحرب عادلة في القرن الحادي والعشرين؟ ترجمة عماد عواد، الكويت: المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، 2014، 106.

[7] جوناثان سميث، ما الحروب الصليبية؟ ترجمة محمد الشاعر، القاهرة: دار المعارف، 1991، 10.

[8] قاسم عبده قاسم، الخلفية الأيديولوجية للحروب الصليبية – دراسة عن الحملة الأولى 1095-1099 ميلادي، القاهرة: عين للدراسات والبحوث الإنسانية والاجتماعية، 1999، 16.

[9] هي مدينة كليرمونت فران الفرنسية.

[10] كارين أرمسترونج، الحروب المقدسة – الحملات الصليبية وأثرها في العالم اليوم، ترجمة سامي الكعكي، بيروت: دار الكتاب العربي، 2005، 35.

[11] محمد سهيل طقوش، تاريخ الحروب الصليبية – حروب الفرنجة في المشرق، بيروت: دار النفائس، 2011، 9.

[12] محمد باقر المحمودي، نهج السعادة في مستدرك نهج البلاغة، تصحيح عزيز آل طالب، طهران: وزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1418 هـ، الجزء العاشر، مادة 490 صفحة 203.

 


 

جمال ضاهر

 

 

روائيّ وباحث في المنطق وعرب ما قبل الدعوة الإسلاميّة. محاضر في قسم الفلسفة في «جامعة بير زيت». ممّا صدر له: “عند حضور المكان” (رواية، 2000)، “وأضحى الليل أقصر” (رواية، 2005)، “مفاهيم في المنطق، أسس وقواعد” (2010)، “قواعد في المنطق: أسس ومفاهيم” (2012)، “العدم” (رواية، 2013).

 

 


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *