الاخبار

النزاعات القبلية: فشل فلسطيني شامل

تشهد مناطق الضفة الغربية المحتلة العديد من الشجارات والنزاعات العائلية والقبلية التي تفضي أحياناً إلى مقتل وإصابة مواطنين، واعتداء على الممتلكات وتهديد شديد للأمن الأهلي والمجتمعي، وانتشار لمظاهر الفوضى بما في ذلك فوضى السلاح المنفلت. وللأسف لم تعد هذه الشجارات حكراً على العائلات في القرى والمدن المختلفة بل طالت مؤسسات تعليمية مرموقة مثل جامعات القدس وبيرزيت والعربية الأميركية التي قتل أمامها طالب جامعي في الأيام القليلة الماضية. وهذا التدهور المدمر في منتهى الخطورة لأن الجامعات والمؤسسات التعليمية كانت تقود المجتمع على مستوى الوعي والثقافة والتنوير وعلى مستوى النضال الوطني. وهي، اليوم، أضحت بطريقة أو بأخرى بؤر صراعات سخيفة لا معنى لها ولا تعبر سوى عن الجهل والتخلف وفقدان الرسالة الوطنية والحضارية لهذه المؤسسات.

ما يحصل في مدينة الخليل ومناطق مختلفة من الضفة الغربية في الآونة الأخيرة وصولاً للجامعات والمراكز التعليمية هو تعبير فاضح عن الفشل الفلسطيني الشامل على مختلف الصعد والمجالات. إنه فشل لمؤسسة السلطة الوطنية التي لم تنجح في التحول إلى مؤسسة على طريق الدولة المدنية الحضارية التي تذوب فيها العشائر والقبائل ويحتكم فيها الناس إلى القانون والنظام العام. وللأسف تتضاءل ثقة المواطنين بمؤسسات السلطة التنفيذية والقضائية في ضبط الأمور وإحقاق الحق وتسوية النزاعات بين الناس. ويلجأ المواطنون أكثر للعائلات والمؤسسات القبلية لحل النزاعات أكثر من لجوئهم لمؤسسات السلطة التي باتت تفقد السيطرة بشكل تدريجي على المجتمع وعلى العصابات المنفلتة لأسباب تتعلق بانهيار منظومة الأخلاق وتدهور سلطة القانون وغياب الدافعية لدى السلطة نفسها للقيام بدورها المنوط بها وفوق كل ذلك وجود فساد يمنع في كثير من الأحيان معالجة المشاكل بشكل جذري ومنصف حسب القانون.

وهو فشل للمنظومة التعليمية التي من المفروض أن تقود إلى تطوير ثقافة المجتمع وخلق تفكير حضاري ينقل المواطنين من الانتماء للعائلة والقبيلة إلى الانتماء للوطن والدولة والمجتمع. ويبدو أن المواد المخصصة للتربية الوطنية والمدنية قاصرة عن خلق مثل هذه الثقافة أو أنه يجري التعامل معها باستهتار كأنها مواد ثانوية يتم تدريسها كجزء من المنهاج دون منحها أي مضمون وطني أو تثقيفي حقيقي. كما أنها تجري بالترافق مع زرع ثقافة متخلفة مناقضة لروح الثقافة الوطنية الحضارية المطلوبة.

بالإضافة إلى ذلك، هو أيضا فشل ذريع للفصائل والأحزاب الفلسطينية التي غابت عن الجماهير ولم تعد تلعب دوراً في تثقيف المجتمع، وتركز أكثر على نشاطات نخبوية تنحصر في القضايا السياسية الخلافية والصراعات الداخلية المبنية على الشعارات، وهي بهذا تساهم في تعزيز الفرقة ونشر ثقافة الخلاف والنزاع بين الناس وهي نفسها لا تحتكم لقانون أو نظام، والفصائل المتنفذة التي تسيطر على السلطة في الضفة و غزة على السواء ليست معنية لا بقانون ولا بمؤسسة نظامية لأنها تعتقد أن مصالحها مصانة حتى في ظل الفوضى والفساد والنزاعات. والفصائل الأخرى عملياً تفتقد لدور حقيقي وكبير في التأثير على الرأي العام وغالباً تتبع الفصائل الكبرى المتنفذة. بحيث إن الحركة الوطنية لم تعد رافعة للتغيير الوطني الإيجابي بل هي في كثير من الأحيان تلعب دوراً سلبياً.

وينطبق العجز والفشل على مؤسسات المجتمع المدني الأخرى التي تتبنى برامج للتثقيف والتوعية بالقيم الإنسانية والحضارية، وهي على الأغلب لا تسطيع إحداث التغيير المطلوب وفقاً لبرامجها وأهدافها في ظل فوضى مجتمعية عامة ومنظومة لا تبني أسس دولة حضارية تعتمد على القانون والحقوق المتساوية للمواطنين أمامه. وجزء كبير منها لا تقوم بدراسات جدية لتتبع الأثر الحقيقي لمشاريعها وأنشطتها. مع أن منظمات المجتمع المدني عموماً هي الأفضل عملاً في محاولة خلق الوعي والثقافة الوطنية الحضارية.

ربما هناك تأثير سلبي كبير على ثقافة المجتمع من اللغة والشعارات التي تطلقها فصائل ومجموعات مختلفة على مستوى الوطن تمجد السلاح وتتحدث عن المقاومة، وفي الواقع غالبيتها ليس لديها برامج مقاومة فعلية، بل تفكر أكثر بالسيطرة على المجتمع. ولغة القوة السائدة لا تميز بين مقاومة تعمل بشكل سري وبعيد عن الأنظار لا يراها ولا يحس بها الناس، وبين سلاح الاستعراضات الذي انتشر وأضحى سلاحا للعائلات والمجموعات المنفلتة التي لا تقيم وزناً لا لقانون ولا لحقوق الآخرين أو حياتهم حتى.

للأسف نحن لسنا لوحدنا في هذا العالم، وأنظار الجميع ترصد ما يحدث لدينا، وكل تطور سلبي حتى لو كان في المجتمع المحلي يؤثر على نضالنا من أجل حقوقنا الوطنية. وعندما يتحول المجتمع الفلسطيني إلى حالة من الفوضى المنفلتة وتفقد المؤسسة السلطوية دورها لن نجد من يدعم فكرة قيام دولة فلسطينية مستقلة حتى أولئك الذين ينتصرون لحقوقنا العادلة ويؤيدونها بقوة لن يكونوا متحمسين لقيام دولة فاشلة ومجتمع قبلي لا يحكمه نظام سوي سوى القوة العشائرية. صحيح أن شعبنا لا يزال يرى في نفسه شعباً حضارياً متعلماً وقادراً على المساهمة بشكل إيجابي في الحضارة العالمية، ولكن هذا لا يبقى فقط مجرد شعار نكرره وهو بحاجة لإثبات فعلي من خلال السلوك اليومي، فهل يمكننا استعادة صورتنا الحضارية وتعزيزها أم أننا سنذهب إلى مزيد من التدهور والفشل المدمر؟!.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *