الاخبار

حـول خـطـاب الـرئـيـس |

كما في كل عام أعاد خطاب الرئيس محمود عباس التأكيد على ثوابت القضية الفلسطينية من جهة الإشارة إلى حقوق الشعب الفلسطيني في أرضه وحقه في النضال من أجل استرداد حقوقه. وعادة ما تكون مناسبة انعقاد الجمعية العامة للأمم المتحدة مناسبة تقوم خلالها كل دولة بالتعبير عن سياساتها المختلفة، خاصة تلك التي تتعلق بأمنها القومي ومواقفها من القضايا الكبرى التي تمس مصالحها. وبالقدر الذي يمكن للمرء فيه أن يسمع عشرات الخطب المختلفة الاتجاهات، بالقدر الذي من المؤكد وفقه القول: إن هناك مجموعة من الدول التي يكاد يكون سماع مواقفها وخطبها مفصلياً ليس بالنسبة لها، بل بالنسبة للعالم. بالطبع الدول الكبرى تقف في طليعة تلك الدول، خاصة الولايات المتحدة وروسيا، ولكن أيضاً وليس للمفارقة، فإن الشعب الوحيد الذي ليس عضواً كاملاً في المؤسسة الدولية، وليس دولة حتى بالمعني الكلاسيكي، فإن خطابه لا يقل أهمية عن خطاب الدول الكبرى.

عليكم أن تتخيلوا أن هذا الفلسطيني اللاجئ الذي يصمت العالم عن الجرائم التي ترتكب بحقه، بل إن بعض قواه الكبرى تدعم المجرم في سرقة بلاده، تخيلوا أن هذا الخطاب الفلسطيني لا يقل قوة عن خطاب أعتى قوة في العالم. ورغم أن السارق الذي يحتل البلاد أيضاً يقدم خطابه، فإن خطاب أصحاب البلاد وملاكها أكثر قوة من خطاب القوة. قوة الأخلاق وقوة الحق ترجح على قوة البطش والقتل.

تذكروا في المرة الأولى التي وقف فيها هذا الشعب على منبر الأمم. كان ذلك عام 1974. قصة طويلة وممانعة قاسية لكن الحق انتصر. ووقف زعيم الشعب الفلسطيني وقائد ثورته ياسر عرفات يخطب أمام العالم. الطفل الذي ساهم العالم في طرده من بيته، وساهموا في محاولة تحويله إلى مجرد كارثة طبيعية أخرى يجب أن يتم نسيانها، هذا الطفل بات يقف على أهم منبر أممي يخطب بزعماء العالم. تذكروا يوم قال عرفات عبارته الشهيرة حول غصن الزيتون والبندقية، مهدداً العالم بأن عليه أن يختار أي طريق يريد لنا أن نسلك، لكن هذا الطريق مهما كان الخيار يجب أن يقود إلى نيل حقوقنا. المشهد ليس بعيداً تماماً، فالرئيس محمود عباس وقف على المنبر ذاته قبل أيام، ورفع بيده صكّ ملكية بيته في صفد، مذكّراً العالم بأننا أصحاب حق، مؤكداً أن شعبنا سيواصل نضاله ولن يركع حتى يستعيد حقوقه. بداية تشير إلى سبب الأزمة، ونهاية تشير إلى عزيمة المنكوب وإصراره على مواصلة طريق الكفاح حتى استعادة حقوقه كافة. من هنا أيضاً على العالم أن يختار أيّ طريق يريد لنا أن نسلك، ولكن الأهم أيضاً أن كل الطرق يجب أن تقود إلى الظفر بتلك الحقوق. وعليه جاء متن الخطاب يشير إلى تلك التفاصيل حول موقف المجتمع الدولي والخيار الذي عليه أن يقوم به.

من هنا، فإن متن خطاب الرئيس كان في التفاصيل، فيما مدخله وختامه كانا في الخطوط العامة التي تؤطر للكفاح التحرري وكيف يفهمه الفلسطينيون. المتن جاء في التفاصيل المتعلقة بالعملية السلمية، وبالموقف الفلسطيني من استمرار تجاهل العالم لرفض إسرائيل للسلام وعملها من أجل نسف كل الجهود المحتملة لتحقيقه. وهو تأكيد على أن الموقف التفصيلي يرتبط بالضرورة بالخطوط العامة لفهم الصراع. فالمفاوضات من أجل المفاوضات ليست حلاً، كما أن الانتظار من أجل المعجزات لن يأتي بها، فالمعجزات التي يقوم بها هي أفعال دنيوية تعبر عن الرغبة، وفي حال انعدمت تلك الرغبة فإن على العالم أن يتحمل المسؤولية عمّا ستؤول إليه الظروف في المنطقة.

وهذا جوهر الموقف الذي أعلنه الرئيس، حين شدد على أن انتظارنا لن يطول، وأن مسألة الاعتراف بدولة الاحتلال لن تستمر إذا لم يتم التقدم تجاه إنجاز الحقوق السياسية للشعب الفلسطيني. ليس ثمة حلّ ثالث، فهناك حلان للمشكلة: إما دولتان متجاورتان وإعمال القانون الدولي فيما يخص القضايا الأساسية خاصة حق العودة، وإما دولة واحدة يعيش فيها مَن على هذا الأرض سواسية. وفي الحالة الثانية ثمة كفاح مختلف يجب الشروع به. ليس على الفلسطيني أن يبحث عن أي حل آخر. إن سياسات الاحتلال هي من تقرر طبيعة هذا الحال، ومن الواضح كما يمكن الاستنتاج بأن الأمور تتدحرج نحو حل الدولة الواحدة.

هذا ليس تهديداً، وليس أكثر من فهم منطقي لطبيعة صراع يرفض الضحايا فيه التسليم بشروط الجلاد كما يرفضون تقبّل الواقع الذي يريدهم أن يعيشوا فيه. هكذا فإن ما قاله الرئيس أبو مازن تحديداً، إن هذه الأزمة يجب أن تنتهي، وليس مطلوباً منا ولن نقبل لو طُلب أن نظل ضحايا إلى الأبد. بذلك فإن متن الخطاب جاء متوافقاً مع مدخله، كما مع خلاصته الواضحة التي تشير إلى أن هذا الشعب قدّر له أن يواصل كفاحه مهما كلفه الأمر من أثمان؛ لأنه ببساطة لن يركع ولن يستسلم ولن يرفع الراية البيضاء.

أساس المشكلة هي النكبة ، وهنا مربط الفرس، ولن يقبل شعبنا أيّ حل لا يزيل هذه النكبة ولا يمحو كل الآثار التي ترتبت عليها. وعليه فإن التلويح بالصكوك التي ما زال شعبنا يمتلكها، والتي منها صك منزل الرئيس ذاته، ليس إلا تلويحاً بأحقية كفاحنا الوطني حتى نسترد حقوقنا. من هنا جاءت الإشارة إلى المناهج ورفض أيّ تدخل في صياغة سردياتنا الوطنية وتعريفنا لتاريخنا. باعتقادي أن الخطاب في كل جوانبه جاء كرافعة للحق الفلسطيني والرواية الفلسطينية، مؤكداً على حقوق الشعب الفلسطيني ومدافعاً عن الكفاح الوطني من أجل استرداد هذا الحق. لذا فهو خطاب الرواية الفلسطينية بامتياز.

جميع المقالات تعبر عن وجهة نظر أصحابها وليس عن وجهة نظر

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.