الاخبار

منع الفلسطيني من اختيار قيادته هو العائق الأكبر نحو التحرير .

ليس جديدًا ما يتعرض له المواطن الفلسطيني من عنف وقمع وملاحقات أمنية في الضفة الغربية المحتلة  من عناصر الأجهزة الأمنية الفلسطينية، التي لا تقوى على مجابهة قوات الاحتلال الإسرائيلية ، ولو حتى من أجل الدفاع عن نفسها أو الثأر لعناصرها الذين يستهدفهم جيش الاحتلال، فهو يستبيح الضفة الغربية ويقتحم مدنها وقُراها وقتما يشاء، كي يعتقل أو يقتل، فتنسحب  وتتوارى عن الأنظار غير عابئة بالمصير الذي سيلقاه هذا الفلسطيني أو ذاك على يد قوات الاحتلال ، بل إنها أحيانًا تشاركه في عمليات مطاردة المطلوبين إسرائيليًا، وفي أحيان كثيرة تمدهم بمعلومات عن مكان اختباء المقاومين.

باختصار .. الأسلوب الوحشي الذي استخدمته الأجهزة الأمنية الفلسطينية في اعتقال الناشط السياسي المعارض نزار بنات، بدءًا من اقتحامها  للمنزل الذي لجأ إليه في ساعات الفجر المبكرة بقوة ضخمة تتكون من حوالي 27 ضابطا وعنصرًا أمنيًا،  ومن ثم ضربه المبرح على رأسه أثناء نومه بالهروات المعدنية ورش وجهه بغاز الفلفل وتجريده من ملابسه وسحله، كل ذلك يعكس نهج عناصر الأمن الفلسطيني في التعامل مع المواطن، فهم يستهترون بحياته ولا يكترثون بها، ولا يوقفهم أي رادع قانوني أو أخلاقي، والدليل أن عملية اعتقال الشهيد نزار بنات، جرت بالتنسيق مع سلطات الاحتلال الإسرائيلي التي تسيطر على المنطقة  التي كان نزار بنات مختبئا  فيها.

لا شك أن مقتل الشهيد نزار بنات، هو الشرارة التي فجرت مشاعر الغضب بين الناس في وجه السلطة الفلسطينية، لتقول لها (كفى)، وخاصة أنها أتت في فترة احتقان سياسي واقتصادي لدى الشعب الفلسطيني،  سلطة منفصلة عن مواطنيها تمامًا تنتهك الحقوق، وتكمم الأفواه، فمن من ينتقد أو ينشر تعليقًا على مواقع التواصل الاجتماعي يعترض خلاله على سياسات السلطة أو يمس أيًا من رموزها، يتعرض للمسائلة القانونية  وقد يعتقل ويتم التنكيل به، والأدهى والأمر إن كان هذا المواطن يعمل موظفًا لدى السلطة، فسوف يزداد مصيره سوءً، إما بقطع راتبه أو بفصله نهائيًا .

كان الشهيد نزار بنات معبرًا عن لسان حال معظم الفلسطينيين،  يتحدث بصراحة عما يهمس به الناس في غرفهم المغلقة، يعلن بجرأه عن آرائه بكامل حريته، ولم يستجب للابتزاز أو المساومة ، كان مسالمًا لا يملك سوى الكلمة.. ورغم ذلك عومل كإرهابي،  لكن معارضته إزدادت حدة بعد إعلان الرئيس الفلسطيني محمود عباس (أبو مازن)، عن إرجاء عقد الانتخابات التشريعية والرئاسية، فلقد كان بنات مرشحاً للانتخابات التشريعية التي كان مفترض إجراءها في مايو الماضي عن قائمة “الحرية والكرامة”.

لم يلتزم بنات الصمت وتقدم بشكوى للاتحاد الأوروبي ضد السلطة، وتحدث صراحة عن أن الرئيس الفلسطيني استخدم “القدس” ذريعة من أجل إلغاء الانتخابات وليس فقط إرجاءها، وأن من يعترض سيتم تخوينه، كون “القدس” تحتل مكانه متميزة في وجدان كل وطني حر، وكل فلسطيني يعتبرها عاصمته الأبدية، .

معظم الفلسطينيين يدركون أن القدس كانت حجة واهية وأن قول الرئيس الفلسطيني حق يراد به باطل، فالرجل ليس ملتفتًا لمدينة القدس، ولو أن القدس تعنيه حقًا، لتصدى للمخطط الاستيطاني المستعر حاليًا، والذي يهدد كافة الأحياء المقدسية، ولجعل من قضية القدس معركته المركزية على الصعيد المحلي والإقليمي والدولي، لكن الواقع أن أهل القدس يجابهون هذا التغول الاستيطاني بمفردهم، بينما السلطة تخاذلت عن نصرتهم.

والحقيقة التي يعلمها القاصي قبل الداني هي أنه لو خاضت حركة فتح الانتخابات فإنها لن تحصل في أحسن الأحوال على الأصوات الكافية التي ستجعلها مستمرة  على رأس هرم السلطة، ومن ثم فلقد نجح  أبو مازن في مساعيه لإلغاء الانتخابات ليظل مستحوذًا على كافة السلطات في قبضة يده منذ أن حل المجلس التشريعي، بمخرج  قانوني صوري، صاغه له ترزية القوانين .. وما أكثرهم!

 

بات جليًا أن مقتل الشهيد نزار بنات، كسر حاجز الخوف في الضفة الغربية، فخرج الفلسطينيون على اختلاف انتماءاتهم في مسيرات إحتجاجًا على مقتله، وهتفوا مطالبين برحيل الرئيس عباس.

عبر القيادي الفلسطيني الأسير مروان البرغوثي عن رغبته بالترشح للانتخابات الرئاسية عن حركة فتح، ليقدم نفسه “مانديلا فلسطين” ويستنهض الروح النضالية لدى الشعب الفلسطيني،  وطلب من الرئيس الفلسطيني أن يدعمه، لكن أبو مازن رفض طلبه!

و السؤال هنا .. ماذا ينتظر هذا الرجل؟!، لقد كانت الانتخابات مخرجًا مناسبًا له كي يخرج بكرامته.

معظم الفلسطينيين يرون أن هذه السلطة لا تمثلهم، وأنها مؤسسة من مؤسسات الاحتلال ترتهن بإرادته، ناهيك عن قصايا الفساد التي تزكم الأنوف ، وراء كل قضية يتم تشكيل لجان تحقيق وهمية، لأن السلطة ضالعة فيها، منها على سبيل المثال، قضية تسريب منزل آل جودة في البلدة القديمة بالقدس للمستوطنين ، وهذا العقار تاريخي ويقع على بعد عشرات الأمتار من المسجد الأقصى، ولقد تم تشكيل لجنة تحقيق لكشف ملابسات وملاحقة المتورطين فيها، ولكن لم ينتج عنها شيء، بل تم حماية الشخص الذي سرب العقار للمستوطنين والذي تربطه علاقات قوية بشخصيات أمنية فلسطينية نافذة.

واللافت للأمر أنه خلال الحرب الأخيرة التي شنتها إسرائيل على غزة، هبت كافة المناطق الفلسطينية نصرة لغزة، باستثناء الضفة الغربية، وعندما خرج الشباب للتظاهر ضد هذا العدوان الإسرائيلي، تم قمعهم واعتدت عليهم الأجهزة الأمنية الفلسطينية. 

لقد أصبح المستفيدون من هذه السلطة فئة محدودة بعينها ، فتجد الذي يطلقون عليه قيادي، عضوًا في اللجنة المركزية بحركة فتح، هو ذاته عضوًا في اللجنة التنفيذية ، هو ذاته وزيرًا وربما يشغل موقعًا متميزًا في السلطة، وبالطبع كل منصب له امتيازاته ومخصصاته المادية.

منذ قرابة الثلاث سنوات وخلال آخر زيارة لي إلى الأراضي الفلسطينية ، ذهبت من رام الله إلى القدس بسيارة أجرة، فأوقفنا شرطي تابع للسلطة عند الحاجز الفلسطيني، وطلب من السائق أوراقه بفظاظة وبلهجة آمرة، وفور مغادرتنا هذا الحاجز قال لي السائق مملوءًا بالحسرة : “ساق الله على أيام الاحتلال”، هذه العبارة التي سمعتها من عدة أشخاص خلال زيارتي القصيرة أصبحت مألوفة!! .. وهي تشير إلى القهر والإحباط لدى الفلسطينيين عامة.

الفلسطيني الذي واجه الدبابة بحجر ومازال يتصدى بصدره العاري لرصاص الاحتلال، لديه اعتزاز كبير بكرامته، ولا يقبل أن يتحكم به أحد .. مازلت أتذكر جيدًا (في عام 1979) عندما التقيت الزعيم الراحل ياسر عرفات (أبو عمار) في منزل شقيقته بالقاهرة، وقال لي  أثناء جلسة ودية : “أنا لا أحسد على مكاني هذا، فالشعب الفلسطيني كله زعامات “بمعنى أن الفلسطيني لا يقبل أن يتعالى عليه أحد.

بحكم نشأتي الأسرية لم أكن بعيدة عن الشأن الفلسطيني ، وكنت أرى كيف أن القيادات والشخصيات الوطنية الفلسطينية البارزة، تبذل كل ما في وسعها من أجل خدمة أبناء وطنها .. الوطن هو بوصلتهم، كانوا يضحون من أجله بالجهد والمال، لكننا اليوم نرى قيادات محسوبة على الشعب الفلسطيني زورًا وبهتانًا، لا تصلح أن تكون عنوانًا له، قيادات تنهب ثرواته وتكدس أمواله في حسابات خاصة بها وبأفراد أسرتها، بينما الشعب يعاني الفقر والبطالة، فالوظائف ليست متاحة إلا للمحاسيب بغض النظر عن إمكانياتهم وكفاءتهم.

وبالرغم من أن حالة منظمة التحرير الفلسطينية مهلهلة وتحتاج لإصلاح جذري وإعادة بناء في كافة هياكلها ومكوناتها كي تسترد مكانتها وتكون بحق ممثل للشعب الفلسطيني، إلا أن القيادة الفلسطينية ماتزال تستخدمها كورقة توت، لذلك كثيرون يعتبرون المنظمة “مخطوفة” ولا تصلح أن تكون عنوانًا فلسطينيًا يجمع الفلسطينيين كافة بدون عقد انتخابات نزيهة وشفافة في سائر مؤسساتها.

لا أرى مخرجًا للمأزق الذي تمر به الحالة الفلسطينية إلا بإسقاط اتفاق “أوسلو”، لقد تم توقيع الاتفاق بهدف إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وعاصمتها القدس الشرقية، لكن الواقع أنه في ظل هذا الاتفاق تراجعت القضية الفلسطينية كثيرًا، وسلبت إسرائيل المزيد من الأراضي الفلسطينية، وأقامت الجدار العازل على الأراضي التي استولت عليها من الفلسطينيين، وسرقت المياه وكرست الإنقسام، ورغم كل هذا الكم من الانتهاكات الإسرائيلية الصارخة ، لم تحرك السلطة ساكنًا، وماتزال مستمرة بالتعاون الأمني مع سلطات الاحتلال، ويبدو أن استمرار القيادة الفلسطينية على رأس السلطة مرهونًا بالقيام بواجباتها الأمنية تجاه إسرائيل تحت غطاء التنسيق الأمني، ولو من جانبها فقط.

لقد أصبح لدى معظم الفلسطينيين قناعة بأن هذه السلطة لن تجلب لهم دولة، بل أنها العائق الأكبر أمام قيام دولتهم التي ينشدونها.

لا يعاني  الفلسطيني في الضفة الغربية فقط  من سوء إدارة قياداته، فالديمقراطية مُعلقة في جناحي الوطن، وهناك ممارسات متشابهة في قطاع غزة .

وبالرغم من أن الأوضاع المعيشية والإنسانية في غزة كارثية، إلا أننا نسمع عن الحياه المرفهة التي ينعم بها أبناء بعض قادة الصف الأول في حركة حماس!  لذلك المواطن الفلسطيني لايعطي مصداقية لهذا الطرف أو ذاك .

حركة فتح تعمل جاهدة من أجل أن تظل على رأس السلطة في الضفة الغربية المحتلة، بينما حركة حماس تريد الاستحواذ على القرار الفلسطيني، وتخشى أن تفقد سيطرتها على قطاع غزة.

لم يعد الوطن هو الغاية، وبات الاصطفاف السياسي ظاهرة فلسطينية، فالمكاسب الفصائلية هي المحرك الأساس لدى كلا الجانبين.

وأخيرًا ، يستحق الشعب الفلسطيني بتاريخه النضالي العريق وتضحياته الأسطورية ، أن يختار قيادته سواء في الضفة أو في قطاع غزة، “قيادة تمثل الكل الفلسطيني”.

 

* صحافية وكاتبة من أسرة “دار الحيـــاة


المصدر: تركيا اليوم

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *