اخبار الشرق الأوسط

أوسلو وخيارات عرب الـ48: بين الصهينة والفلسطنة | مقالات وآراء

في مقالنا الأخير “العنف وجدلية المُستعمِر والمُستعمَر نموذج عرب الـ48“، طرحنا سؤال هل القوى الحزبية والأكاديمية والمثقفة بطبيعتها اليوم قادرة على الخروج من حالة الضياع أم حان الوقت لبناء القاعدة لقمَّتِها بخروجها على الوشم المألوف اليوم؟! في هذه المقالة سنحاول الإجابة.

سبق توقيع اتفاق أوسلو طلب عرفات وأبو مازن من عرب الـ48 دعم حزب العمل وتشجيعهم ليكونوا كتلة مانعة له لتمرير اتفاقية أوسلو في الكنيست. نداء فهمت منه الناس المطلوب، ففاز في انتخابات 1992 عبد الوهاب دراوشة رجل حزب العمل وحزبه. وسقط محمد ميعاري، القامة الوطنية وحركته التقدمية التي تأسست بإيعاز من عرفات نفسه عام 1984.

في هذا السياق، يسلّط محمد ميعاري الضوء على حقيقة هذا التدخل في مقابلة مع وديع عواودة عن محاولة إقامة قائمة مشتركة بينه وبين دراوشة في انتخابات عام 1992، بقوله “رتّب اللقاء بيننا سعيد كمال مندوب منظمة التحرير في القاهرة. هناك دعونا لتشكيل قائمة مشتركة بجانب الحزب الشيوعي. فقلت ما الهدف أجابوا ’نريد التعاون مع حزب العمل’، فقلتُ أنا لا أتعامل مع حزب العمل فهو أساس النكبة الفلسطينية ونحن كسياسيين لنا مواقف وموقفنا الأساسي التصدي له. ثم سألني أبو مازن عن رابين فقلت إنّه فاشيست يتغطى بالاشتراكية. فقال ’أنا اسألك عن رابين لا عن شامير. فكدت أصاب بالجنون لأنه استفزني بالسؤال’”.

قد يبدو هذا الحدث عابرًا، لكنّه شكّل مقدمة لعلاقة مكثفة بين سلطة أوسلو والأحزاب العربية وعلى رأسها الجبهة الديمقراطية/ الحزب الشيوعي الإسرائيلي، الذي كان له دور فاعل مع اليسار العربي والاتحاد السوفيتي في بلورة رؤية البرنامج المرحلي وحل الدولتين ودعمه إفرازه اتفاقية أوسلو. كما كان لأحمد الطيبي وعبد الوهاب دراوشة دور الوساطة في نقل الرسائل من الإسرائيليين إلى عرفات والرد عليها منذ عام 1984، وقت كان يمنع القانون الإسرائيلي فيه التواصل مع منظمة التحرير. فَهُم – بهذا – جزء من الأزمة وليسوا حلًا لها. كذلك جمعت السلطة الفلسطينية بين الحركة الإسلامية وعبد الوهاب دراوشة في قائمة واحدة في انتخابات 1996، الأمر الذي قاد إلى انشقاق الحركة الإسلامية. بقي قسمها الآخر بقيادة رائد صلاح ومشروعه بناء مجتمع فلسطيني عصامي هدفًا لأذرع المخابرات والسلطة إلى أن تم حظرها بالكامل، وسجن القامة الوطنية وأحد أبرز قيادات الداخل الشيخ رائد صلاح فك الله أسره. ولادة حزب التجمع كانت بسبب أوسلو وضدّه.

نعم، منذ دخولها، غدت السلطة الفلسطينية جزءًا من مشهد قيادة عرب الـ48، وهم منها وحتى في هذه الانتخابات الأخيرة كان محمد مدني من السلطة الفلسطينية وراء تأسيس حزب “معًا” على أمل أن يكون حزبًا يهوديًا عربيًا مشتركًا، هكذا اصطفت قطاعات واسعة من البرجوازية الصغيرة في السلطة الفلسطينية حول الزعيم وهذا الأخير دفع البرجوازية الصغيرة ومعظم أحزابها في عرب الـ48 لاستقلالية إسرائيلية خاصة تنسجم مع ما عمل بها وعليها الحزب الشيوعي الإسرائيلي تاريخيًا، ولتنعكس القوة في الكنيست لخدمة سلطة أوسلو ونُخَبِها.

وكما نجح أوسلو في حصر فلسطين والنقاش حولها في حدود الـ67، كذلك دفع عرب الـ48 أكثر وأكثر باتجاه الأسرلة والصهينة والبحث عن الخلاص الفردي لعجز الأحزاب العربية عن توفير مطالبهم في ظل نظامِ ديمقراطيّةِ الشعبِ السيّدِ والفصلِ العنصري. فمثّل ما حدث نفي فلسطينيّة الأرض التي قامت عليها إسرائيل في أذهان كثير من الأجيال العربية والفلسطينية الصاعدة، ما يفسر جانبًا من هرولة التطبيع والتتبيع العربية الحادثة، فقد استكمل أوسلو مهمة الحزب الشيوعي التاريخية، في نفي كون إسرائيل فلسطين وشرعنة العلاقة بين العربي ودولته كعلاقة طبيعية والمعركة على الديمقراطية، المواطنة، العدالة والمساواة.

وعليه إذا كان دخول الأحزاب الصهيونية بعد النكبة للشارع العربي والتصويت لها بسبب الخوف والرغبة في البقاء، فإنّ عودتها إليه اليوم هو لتماثل وتكيّف قطاعات واسعة من الشارع العربي مع الدولة من موقع علاقة الفوقية والدونية. وإذا كان نهوض الوعي الوطني والعمل الحزبي وطرد الأحزاب الصهيونية من الشارع العربي في حينه انعكاسا للنهوض الثوري الفلسطيني العام، فإنّ أفول نجم هذا الأخير (عبر كارثة أوسلو) وسقوط حل الدولتين مع ترسيخ حدود دولة الفصل العنصري بين النهر والبحر، أدى إلى بداية تجاوز الأحداث للأحزاب العربية ومعها تسلّل الأحزاب الصهيونية للشارع العربي كبديل لها. من هذا الباب، إذا كان انتصار أوسلو قد أرسى حدود إسرائيل الكبرى بين النهر والبحر، فإنّ هزيمة النخب الفلسطينية بسببه وحدت الشعب الفلسطيني في فلسطين وخارجها، أرضًا، شعبًا ونضالًا.

من هنا، فلتفرز الانتخابات الفلسطينية ما تفرزه، فالقائد القادم المنتخب لن يتخطّى حدود أوسلو والحكم الذاتي. وكذلك فلتكن نتيجة الانتخابات الإسرائيلية ما تكون، فلن يتخطّى عمل الأحزاب العربية واقع نفى وجودها ولا كون الشعب في الحالتين “حمير العرس”. إلا إذا أيقنت منطق ديناميكية التاريخ في سياق علاقة المُستعمِر والمُستعمَر. بمعنى أنَّ عليها أن تتغيّر مع دخول المواجهة إلى نقلة نوعية ووحدة صراع جديدة بين الهزيمة والنصر، تقود بالضرورة إلى بداية نهاية مرحلةٍ هَضَمَ فيها المثقف والقيادي العربي ثقافة المُستعمِر، وحاول من خلالها التماثل والتكامل والاندماج من موقع نفسية الدونية ووجد مع كل محاولاته باب نظام جدار الحديد للدولة اليهودية موصودًا. تزامنًا مع ذلك شيئا فشيئا سيخرج الإنسان العادي من حالة الإبهام ووهم الديمقراطية والمواطنة والعدالة والمساواة وسيدرك، إدراكًا بطيئا، تلك الخيانة التي يرتكبها قادته. حينها، لا مفر إلّا في العودة للذات ومعها سيطل على المطامح الوطنية والقومية مجددًا.

وعليه يجب تأهب وتأهيل قيادة القاعدة الاجتماعية لتنظيم الشعب وتمكينه وتوجيه استنهاض تراثه “الفزعة والعونة” لخلق وضع لم تعد فيه حتى إمكانية هروب المثقف خيارًا ممكنًا. حينها، سينتقل المثقف إلى المرحلة الثانية والتي ينقشع فيها الغطاء عن حقيقته كمُستعمَر ويتذكر نفسه على الطريق إلى الانخراط في الحراك الشعبي من موقع المشاركة السلبية، وكل هذا كإرهاصات تسبق المرحلة الثالثة، وهي “المعركة” على حد تعبير فانون.

ويقول فانون إنّ هذه المرحلة “فيها المثقف، بعد أن حاول أن يغرق في شعبه، في هذه المرحلة يفعل عكس ذلك، فهو الآن يهزّ الشعب. إنه الآن بدلًا من أن يغفو مع الشعب يتحول إلى موقظ له.. فإذا الشكوى تصبح نداءً، والنداءُ يصبح شعارًا”، ويحذّر فانون من أن عودة كهذه قد تأخذ الطابع القومي إلى التطرف، وعليه يجب على الثوريين الاجتماعيين الاستمرار في مسك الرسن، وعلى المثقف المُستعمَر “أن يغوص إلى المنبع الفوار الذي تتهيأ فيه صورة المعرفة الجديدة”، ليدرك أهمية تغيير خطابه وتوجيهه بلغة العصر لشعبه أوّلًا.

إنّ الحالة التي نتحدث عنها هي نقيضة لدور “حمير العرس”. نعم إنّها دخول الشعب وقادته الثوريين الاجتماعيين ساحة السياسة من بابها الأوسع. والشرط لذلك هو التخلّص من فكرة أنّ الجماهير عاجزة عن قيادة نفسها. لقد أثبتت التجربة أنّ الجماهير تفهم أعقد المشاكل. في هذا، يقول فرانز فانون إنّ من أهم الخدمات التي قدّمتها الثورة الجزائرية للمثقفين أنّها أوصلتهم بالشعب وأتاحت لهم أن يروا بؤسه الرهيب وأن يشهدوا – في الوقت نفسه – يقظة الذكاء وتقدّم الوعي وصفاوة حكمته. والسر هنا هو التوجه للناس بلغتها المحسوسة وتجربتها المعاشية اليومية لإيقاظ العقول وإعادة ترميم النفوس. إنّ اللجوء إلى لغة الأحزاب وقادتها التكتيكية المهترئة، معناه اجترار الحالة التي جعلت منهم في واد والشعب في وادٍ آخر.

لذلك، يجب الابتعاد عن المركزية والحرص على الانتقال من القاعدة إلى القمّة والعكس صحيح. والشعب هنا هو الذي يخلق لنفسه قمةً، وليست القمة هي التي تخلق الشعب. وهذا ليس في سياق انتخابات الحكم الذاتي والكنيست التي يتحكم فيها نفس الاستعمار الصهيوني. بمعنى وجوب تنظيم جامع يتجاوز الأحزاب من القاعدة إلى القمة بحيث الشعب هو الذي يصنع قادته وليس الكنيست وآفاق عملها وأحزابها هي التي تصنع الشعب. الأمر الذي جعل من الصهيونية وأحزابها خيارًا عاقلًا ورشيدًا بين العامة. غير أنّ المرحلة تفرض التعاون مع الأحزاب بما يفيد هذه الحركة الجماهيرية وترجمة برامجها.

إنّ تخطي تبعية السلطة الفلسطينية والأحزاب العربية للاستعمار الصهيوني والكنيست، معناه إدخال الجماهير السياسة. في هذا السياق، يجب إعادة بداية الحكاية وهي أنّ تحرير الشعب الفلسطيني ووطنه هو جزء من مهام تحرير الشعوب العربية من أنظمة الفساد والقمع والتبعية للاستعمار. إنّ الرد على نجاح إستراتيجية الفلسطنة بعزل الشعب الفلسطيني عن عمقه العربي يعني أن تجعل فلسطين حاضرة في وجدان كل عربي وهو حاضر كشعوب وأمة في وجدان كل فلسطيني. المدخل إلى ذلك ما يجمعنا من ثقافاتنا بروح العصر المتجددة. فلنا في تجربة رواة ثورة الجزائر دروسٌ وعبرٌ، وأيضًا، في ثقافة الثورة الفلسطينية المجهضة.

يبدع فانون حينما يستحضر تجربة رواة الجزائر بقوله “إنّ المُستعمَر حين يجدّد أغراض الحرفة، الرقص والموسيقى، الأدب وحكايات البطولة وحركاتها إنما يعيد إدراكه للعالم. فيفقد العالم في نظره طابع اللعنة وتتجمع حينئذٍ الشروط اللازمة لخوض المعركة.. التغيير الثوري يطهّر الأفراد من السموم، إنّه يخلّص المُستعمَر من مركّب النقص الذي يعيث في نفسه فسادًا ويحرّره من موقف المشاهد اليأس. إنّه يرد له شجاعته ويرد له اعتباره في نظر نفسه”، إنّه الرد على التآكل والتمزيق الداخلي والعنف. بمعنى أن النضال الشعبي هنا لا يصادم من أجل دحر الاستعمار فحسب، بل ليزيل المُستعمَر من روحه المغتصبة وكذلك وحشية ودموية المُستعمِر من روحه الغاصبة ليلتقي ما تبقى منهم في ساحة الإنسانية التي صنعها المُستعمَر العربي الفلسطيني.

الأحداث في تسارع رهيب، والزمن سيف إن لم تقطعه قطعك. في هذا المقال حاولت إضافة أبعادٍ أخرى لإستراتيجية “معًا ووحدنا برؤية 2048″، التي تطرّقت لها في مقالات سابقة. وأنا على قناعة أنّها ممكنة إذا اقتنعنا بما قاله أحمد سيكوتوري:

“لا يكفي أن تؤلّف أغنية ثورية أو مقالًا حتى تشارك في الثورة. وإنما يجب أن تصنع هذه الثورة مع الشعب، فمعه تأتي الأغاني والمقالات من نفسها. ليس هناك أي مكان خارج هذه المعركة.. لا الفنان ولا المثقف كله مع الشعب”.

نعم “كله في الهوى سوى”، لأن العنف الاستعماري لن يكتفي بإخضاع الشعب الفلسطيني كمستعبدين في دولة الفصل العنصري بين النهر والبحر، بل سيستمر في محاولات تجريدهم ليس من الأرض فحسب بل من إنسانيتهم. فهو عربي قذر، ماكر، لص، قاتل، متخلّف ولا يعرف إلا القوة. وكل هذا يختزل في ثقافة “العربي الجيّد هو الميت”، وشعار الموت للعرب. إنّ خلاص الفلسطينيين من الاستعمار الصهيوني يعني خلاص اليهود نفسهم منه وإن أسكرتهم القوة وأعمى الاستعمار بصرهم وبصيرتهم في هذه المرحلة. وعليه، لا حل إلا في الدولة الديمقراطية الواحدة وعودة الشعب الفلسطيني إلى وطنه وقبلها إلى خطابه وتنظيمه التحرري.


المصدر: عرب 48

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *