اخبار الشرق الأوسط

احترمني كي أحترمك… | مقالات وآراء

تتمدَّد مدينة كرمئيل إلى الجهات التي تشتهيها بلا أيّة عوائق، حتى باتت بيوتها قبالة أحياء مجد الكروم الشَّرقية، على مسافة بضع مئات من الأمتار. ويلاحظُ هنا، كالعادة، أنّ أراضي أهل مجد الكروم الواقعة جنوبي شارع عكا صفد رقم 85 محرَّمة على أصحابها للبناء، ولا حتى مع حكومات “اليسار”، ولكنها حلالٌ زلالٌ على سكان كرمئيل والقادمين إليها من كل جهات الأرض.

لم آت بجديد ولهذا أنتقل إلى لبِّ الموضوع الملتهب..

ما حدث هو أن الغناء في أعراس أهل مجد الكروم يصل الكرميئيليين، فيزعجهم. خصوصًا إذا أضفنا إليها وابل المفرقعات من القرى الأخرى، ثم يأتي صوت الأذان الذي يُسمع من كل جهة، خصوصًا أذان الفجر.

الكرمئيليون المنزعجون تقدموا بشكاوى إلى الشرطة، واستغلَّ رئيس بلديتهم الفرصة ليتوعّد ويتعهَّد بإسكات أصوات القرويين المزعجة، وتحوَّل الموضوع إلى شغل الشرطة الشاغل، فـ”عملت كبسيات” إلى قاعات الأفراح المفتوحة، وكذلك للأعراس التي تقام في داخل الأحياء وتطلب تخفيض الصوت أو حتى وقف الغناء والموسيقى. وفي إحدى هذه الكبسيات أشهر أحد رجال الشرطة بندقيته في وجه الصحافي ابن مجد الكروم مبدّا فرحات الذي صوَّر بهاتفه دخول رجال الشرطة إلى حفل زفاف قبل بضعة ليالٍ في قاعة للأفراح، ففقد الشرطي سيطرته على أعصابه الرقيقة، وركض إلى السيارة التي وصل فيها مع زملائه وأشهر بندقية أوتوماتيكية مستعدًا لإطلاق النار، الأمر الذي أثار الذُّعر حتى بين رجال الشرطة أنفسهم.

تصاعد التوتر وصاروا يرسلون إلى قاعات الأفراح موظفين من وزارة الصحة “لفحص الوضع الصحي”، الذي لم يكن يعنيهم من قبل. يعني كالعادة صاروا ينبشون لإيجاد ذرائع لمعاقبة أصحاب القاعات.

آخر الأعراس التي حضرتها وصل بلاغ من الشرطة لصاحب القاعة المفتوحة من الشرطة بتخفيض الصوت وكان هذا البلاغ حول الساعة التاسعة والربع مساءً، بينما يُصِرُّ المحتفلون والـ”دي جي” أنّ الموسيقى مسموح بها حتى الحادية عشرة ليلًا.

نذكر هنا أن الحي الغربي من كرمئيل يسكنه بعض العرب إلى جانب اليهود، وحدَّثني أحدهم بأنه كان عند شقيقه في كرمئيل وسمع موسيقى عرس في مجد الكروم كأنها في صالون بيت شقيقه، وطبعا هكذا هو الوضع عند جيرانه، أي أنَّ للاحتجاج على الضجيج ما يبرِّرُه، خصوصًا في ساعات الليل المتأخرة!

التذمر من ضجيج الأعراس، ليس مقتصرًا على أهل كرمئيل، عندنا أيضًا هناك تذمّر، ولكن بما أننا نتفهَّم بعضنا بعضًا وضائقتنا، فإن الاحتجاج يكون بالعتاب وليس أكثر، خصوصًا عندما يكون العرس في الحي لعدة ليالٍ ويتأخر المحتفلون فيه إلى ما بعد منتصف الليل.

شعور العرب من مواطني المنطقة هو أن المحرِّك الأساسي لتصريحات رئيس بلدية كرمئيل وتصرُّف الشرطة العدائي هو العنصرية، وخصوصًا عندما يشهر شرطي بندقية كأنه في ساحة قتال، بينما واجبه هو فقط تقديم إنذار أو إبلاغ خطِّي، والتعامل حسب القانون، وليس إرهاب الناس وأصحاب الأفراح لدرجة إشهار السلاح. ممكن جدًا، إذا حاولت الشرطة فضَّ عرسٍ بالقوة أن تحدث كارثة، كما حدث قبل شهرين في دير الأسد.

اتهام شرطة ورئيس بلدية ومسؤولي كرمئيل بالعنصرية ليس عشوائيًا، وذلك أن المدينة أقيمت عام 1965 على أراضي العرب تحت مشروع تهويد الجليل، الذي يعني نفي وجود الآخر ومناصبته العداء، التهويد يعني موسيقى ولغة عربية وأرضًا أقل للعرب.

أقيمت كرمئيل عام 1965 واستحوذت على كل المؤسسات الرسمية، وحصلت على الأرض التي تريدها وما زالت تتوسع مقابل حشر العرب في قرى باتت شبه مخيمات، المؤسسة الوحيدة التي حظي بها العرب هي محطة شرطة جديدة في مجد الكروم.

القضية ليست على رمّانة ولكن على قلوب مليانة. وليست قصة غناء وموسيقى وإزعاج ولكن رئيس بلدية كرمئيل وشرطته حوَّلوا الموضوع إلى تحدٍ ومحاولة إخضاع وليس سعيًا لتطبيق القانون المعطَّل في مواضيع أخطر من الموسيقى بكثير.

لهذا جاء ردُّ أهالي مجد الكروم ردًّا على فعل عنصري، وليس على طلب موضوعي مشروع.

من حق كل إنسان أن يضمن لنفسه هدوءًا، وواجب كل واحد هو عدم الإزعاج، وممكن أن نفرح بدون مضايقة لأحد، إلا أنَّ العنصرية وقذارة سياسة السُّلطة لوّثت كل شيء بسبب منطلقاتها العدائية في تعاملها مع العرب، والعرب كما يبدو، يرفضون التوجُّه الفوقي والعنصرية، وهذا حقهم وواجبهم، احترمني كي أحترمك.


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *