اخبار الشرق الأوسط

الدولة الواحدة صيرورة حاضنتها الجيل الشاب الفلسطيني | مقالات وآراء

اللافت في استطلاع الرأي الذي أجراه مركز القدس للإعلام والاتصال، وأظهر تراجعًا في نسبة الفلسطينيين المؤيدين لحل الدولتين مقابل الدولة الواحدة، هو الارتفاع الكبير في نسبة المؤيدين لحل الدولة الواحدة بين سكان الضفة الغربية 30.2%، قياسًا بقطاع غزة الذي بلغت نسبة مؤيدي الدولة الواحدة بين سكانه 19.8% فقط. علما أنّ الضفة الغربية “تحكمها” حركة “فتح”، التي تتبنى حل الدولتين بينما “تحكم” القطاع حركة “حماس”، الأقرب لحلّ الدولة الواحدة.

النتائج تتطابق، كما يبدو، مع الواقع الجغرافي أو الجيوسياسي المغاير الذي يعيشه كلا التجمعين الفلسطينيين: حالة الفصل أو فكّ الارتباط عن إسرائيل التي يعيشها قطاع غزة وتريده إسرائيل “دولة” للفلسطينيين، والذي يجعل حل الدولتين أكثر واقعية قياسا إلى واقعه؛ وحالة “الضم الزاحف” الذي يقضم مناطق واسعة من الضفة الغربية وينتهك سيادة سلطة الحكم الذاتي فيها ويعمق ارتباطها بإسرائيل، ويقترب من خلق واقع “دولة واحدة” وإن كانت دولة أبرتهايد.

الواقع الجيوسياسي يحيّد، وفق ما تظهره النتائج، شعارات الفصائل “الحاكمة” وبرامجها المتباينة. وإذا ما اعتبرنا انخفاض نسبة المؤيدين لـ”حل الدولتين” تراجعا عمّا اصطلح على تسميته بالبرنامج الوطني الفلسطيني، الذي تبنته منظمة التحرير الفلسطينية، وما زال يقوده محمود عباس، يبدو هذا التراجع أكثر وضوحا في الضفة الغربية، ويترافق مع خيبة الأمل من العملية السلمية وارتفاع نسبة عدم الرضا من أداء رئيس السلطة، محمود عباس.

والمفارقة أنّ نسبة المؤيدين لنهج المفاوضات السلمية انخفضت في الضفة الغربية إلى 28.7%، بينما بلغ في قطاع غزة 41%، علما أنّ غالبية الفلسطينيين في الضفة الغربية وقطاع غزة رأت أنّ المفاوضات السلمية ليست هي النهج الأفضل لإنهاء الاحتلال.

أوري ميليشطاين، الباحث في معهد ديان التابع لجامعة تل أبيب، يرى أنّ “الدولة الواحدة” ذات نظامي حكم – على غرار الصيغة التي عبر عنها تاريخيا موشيه ديان بفكرة “التسوية الوظيفية” – هي صيرورة تتبلور اليوم تدريجيا على الأرض، وهو يميز بين “الدولة الواحدة”، التي تتكون دون تخطيط مسبق، عن “الدولة ثنائية القومية”، التي هي كيان يولد نتيجة اتفاق بين طرفين، على حد تعبيره.

وهو يعتقد أنّ فكرة “الدولة الواحدة” تكتسب جمهورا في أوساط الفلسطينيّين الشباب بشكل خاص، وذلك في ظل انخفاض احتمالات تطبيق “حلم الدولتين”، كما أنّ انتشار الفكرة لا يعبر عن ضعف الهوية الفلسطينية، بل هي محاولة لملاءمتها للواقع الراهن، وأنّ البعض يعتقد أنّ خلال مدة زمنية قصير سيصبح الفلسطينيون أغلبية ويقودون هذه الدولة.

ويقول ميليشطاين في مقال نشرته “هآرتس”، مؤخرًا، إنّ قضية التعامل مع الأراضي المحتلة عام 67 تنازعتها منذ السنوات المبكرة للاحتلال (وما تزال) فكرتان: “التسوية الإقليمية” التي ابتدعها إيغئال ألون؛ و”التسوية الوظيفية” التي ابتدعها موشيه ديان.

وبين خيارين سيّئين اختارت إسرائيل، وفق ميلشطاين، أنْ تُمسِكَ بالحبل من طرفيه، من جهة تأمين المصالح الأمنية الإسرائيلية وعدم إقامة دولة فلسطينية مستقلة والسماح بإقامة مستوطنات إسرائيلية في الأرض الفلسطينية؛ ومن جهة ثانية الامتناع عن ضم المناطق الفلسطينية المحتلّة ومنح مواطنة للفلسطينيين، خوفًا من الإخلال بالميزان الديمغرافي وفقدان طابعها اليهودي الديمقراطي.

وفي دورة حياة جديدة لهذه السياسة، تطرح فكرة “تقليص الصراع” التي يتم تداولها من قبل قادة الحكومة الحالية، كمحاولة أخرى في الجهد التاريخي الإسرائيلي لإمساك الحبل من طرفيه، وأحد أهم من صاغها هو د. ميخا غولدمان، وهي تستند إلى فكرة موشيه ديان، لكنّها تحمل عناصرَ من مشروع ألون أيضًا.

وتقوم فكرة “تقليص الصراع” على توسيع الحكم الذاتي الفلسطيني في الضفة الغربية (من خلال تسهيلات مرورية داخلها، ومنها إلى الخارج أساسا) وخلق تتابع جغرافي فلسطيني في الضفة الغربية، لكن بدون إقامة حدود أو إحداث فصل فعلي بين المجتمعين ودون تعريف الوضعية السياسية للسلطة الفلسطينية.

عودة على بدء، نجحت إسرائيل من خلال خطة فكّ الارتباط مع القطاع، وما أعقبها من انقسام فلسطيني، من خلق سياقات سياسية فلسطينية مختلفة في الضفة وغزة، وهو ما ينعكس في نتائج الاستطلاع المتباينة والمتضاربة، وفي واقع إقصاء وعزل القطاع والضم البطيء للضفة.


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *