اخبار الشرق الأوسط

الزيتون المعمّر: من ملامحه السياسيّة والاجتماعيّة في فلسطين | فلسطينيات

“العُمدان”، هذا ما كان يُطلقه أهالي قرية الرامة، قبل النكبة وبعدها، على شجر الزيتون المُعمّر من زيتونهم(1)، الذي ما زالت بقايا غابته، تلفُّ قرية جبل حيدر في الجليل إلى يوم أهلها هذا.

قبل أيّام، قامت جرّافات شركة “نتيفي يسرائيل” بإيعاز من وزارة المواصلات الإسرائيليّة، باقتلاع زيتونتين من هذه العُمدان، يعود عُمر كل شجرة منهما إلى ما يقارب الألفَي عام.

في قرية “عين الزيتون” المُهجّرة، الواقعة شمال مدينة صفد، كان اسم القرية يُنسب إلى زيتونها المُعمّر أو “العيمري” بتعبير أهل القرية. من عادة الفلاحين كان إطلاق الأسماء على المواشي والدواب لديهم، وليس على الشجر، بينما في عين الزيتون تعوّد أهلها على تسمية أشجار زيتونهم، خصوصا المُعمّر منه، الذي يعود عمر بعضه إلى أكثر من ألفي عام(2).

بعيد اقتلاع إحدى الزيتونتين المعمرتين قرب الرامة (“عرب 48”)

كلّ كروم شجر الزيتون، كانت تُنسب إلى قراها وأصحابها، إلا عين الزيتون، كانت قرية منسوبة بذاتها إلى زيتونها. بعد تهجير سكّان القرية في النكبة، وذبح العشرات من أبنائها، جَرف الصهاينة معظم كروم زيتون الزواتنة، الشاهد الحيّ على وجود قريتهم ووجودهم فيها. واقتلعوا المُعمّر منه، مثلما اقتلعوا أهله من قَبله، وأقاموا مستعمرتهم، التي سطَتْ على أرض القرية واسمها، “عين زيتيم”.

بعيدا عن أي مبالغة، فإن فلسطين تُعدّ الموطن الأوّل، الذي استؤنست فيه شجرة الزيتون قبل 4 آلاف سنة(3)، بعد أن كانت قبل ذلك شجرة بريّة، تنبت على سواحل حوض المتوسط لآلاف السنين قبل استئناسها و”ترويضها”.

في أحد المواقع شماليّ مدينة يافا على الساحل، عُثر على موقع فيه “معصرة زيت” بدائيّة، تعود إلى مراحل ما قبل الميلاد، قُدّر أنها كانت قادرة على إنتاج ما يصل إلى 2000 طن من الزيت سنويًّا(4).

لم يكن الزيتون موردا غذائيًّا بالأساس، كما صار عليه في التاريخ الحديث، إنما كان زيت الزيتون يُعدّ بلسما للتداوي والتطبيب به، والعناية بالجسم، منذ عصر اليونان والرومان من بعدهم. وكذلك المسيحيّة اعتمدته للتبرُّك والتعميد، والأهم من ذلك، استخدام زيت الزيتون للإنارة في الكنائس والأديِرَة والبيوت، إذ نلاحظ في فلسطين وجود كروم الزيتون المُعمّر، مُحيطةً بالأديِرَة والكنائس في القدس وبيت لحم إلى يومنا، وذلك لأغراض طقوسيّة وللإنارة، أكثر منه غذاء، كما احترف رُهبان بيت لحم وبيت جالا وبيت ساحور، مهنة نحت خشب الزيتون وصناعة التماثيل منه في أديرتهم، منذ القرن الرابع الميلاديّ مع بناء كنيسة المهد(5).

في فلسطين، كان ظاهر العمر الزيداني، قد أنذر بأن يتكفّل بزيت قناديل كنائسها لإنارتها، بعد أن استجار بمريم العذراء ومتشفِّعا لله بها، من أجل نصرته في حربه ضد مشايخ جبل نابلس وعرب الصقر بإيعاز من والي دمشق(6). بعد أن تمّ له ذلك، ظلّت قناديل كنائس الناصرة تُضاء بزيتٍ تكفّل به ظاهر على نفقته الخاصّة حتى مماته.

شجرة إقطاعيّة

كُثِّفت زراعة الزيتون في فلسطين، في مرحلتيْن تاريخيتيْن متباعدتيْن، الأولى: ترجع إلى قبل الميلاد في العصر الرومانيّ، حيث اهتم الرومان في غرس الزيتون، في كافة مناطق حوض المتوسط، التي وقعت تحت سيطرتهم بما فيها فلسطين. وما زال الشجر المُعمّر إلى اليوم من تلك المرحلة، يُطلق عليه “زيتون روميّ”.

تراجع غرس الزيتون، بعد انقضاء العصريْن؛ الرومانيّ والبيزنطيّ مع الفتح العربيّ– الإسلاميّ للبلاد، وظلّ هذا التراجُع حتى مطلع القرن الثامن عشر.

(توضيحيّة- الأناضول)

أما المرحلة الثانية، فتعود للعهد العثمانيّ، وتحديدا في النصف الثاني من القرن الثامن عشر. كُثفت زراعة الزيتون في تلك المرحلة مع صعود حُكم الأمراء المحليين، وازدياد نفوذ البكوات والأفنديّة من العائلات شبه الإقطاعيّة في بعض مدن البلاد.

إنّ ارتباط زراعة الزيتون في تلك المرحلة، بالأمراء والعائلات المُتنفذة، عائدٌ إلى عدم قدرة فقراء الفلاحين في القرى على زراعة الزيتون، وانتظاره سنوات طويلة حتى يُعطي مردودا، إذ لا تبلغ شجرة الزيتون طاقتها الإنتاجيّة الكاملة، إلا بعد مرور عشرين أو ثلاثين سنة حتى، وهذا ما لا طاقة للفلاح على تحمُّله وانتظاره. فالفلاح يحتاج إلى زراعةِ ما يُدرّ عليه بأسرع وقت ممكن، ليأكل ويُطعم أفراد عائلته.

بينما الأمراء وبكوات العائلات، كان لديهم النّفَس الطويل في زراعة الزيتون وانتظاره لأعوام حتى يُدرّ عليهم. فإذا ما عُدنا إلى خريطة غرس الزيتون في فلسطين بعد النصف الثاني من القرن الثامن عشر، سنجد أن كثافة غرسه وجدت حيث وُجد الأمراء والعائلات المتنفذة، وفي الجليل مع حكم الزيادنة ازدادت زراعته، ولاحقا في القرن التاسع عشر في ظلِّ نفوذ عائلات مثل الفاهوم في الناصرة، وعائلة قدّورة في صفد، وعائلة ماضي في إجزم ومنطقة حيفا.

وكذلك في جبال نابلس وجنين حيث العائلات المتنفذة المشهورة على اختلافها. ثم جبال منطقة القدس ورام الله وبيت لحم، التي امتدّ فيها نفوذ أيادي عائلات مثل الحسيني وغيرها. بينما في مدينة الخليل وجبالها، لم يُزرع الزيتون بالكثافة التي زُرع فيها في المدن الأخرى، وذلك ببساطة، لغياب أمراء محليين وعائلات شبه إقطاعيّة تفرض سلطتها وسطوتها على الناس في تلك المنطقة. هذا فضلا عن أنّ المناطق الجبليّة– الصخريّة، لم يكن سهلا زراعتها بغير الزيتون لوعورتها، فهي شجرة يمكنها مقاومة الظروف الطوبوغرافيّة والمناخيّة، والنموّ دون الحاجة إلى الريّ.

(أ ب أ)

لم تكن عائلات المدن المتنفّذة، في القرنيْن؛ الثامن والتاسع عشر، تزرع الزيتون لحاجات غذائيّة، إذ لم يكن زيت الزيتون يُستخدم لأغراض الغذاء والطعام، مثلما صار يُستخدم منذ نصف قرن، إذ اعتُمد السمن قبله كمادة غذائيّة أساسيّة لأغراض الطبخ والطعام. أما ازيت فقد استُخدم في صناعة الصابون وتزويد المصابن به، خصوصا في مدينة نابلس المشهورة بمصابنها، والتي كانت تعود مُلكيّتها لتلك العائلات المتنفذة نفسها، والتي اهتمّت بزراعة الزيتون(7). ممّا يفسّر لنا ذلك؛ كثافة زراعة شجر الزيتون في المناطق التي وقعت تحت نفوذ تلك العائلات.

شجرة التحوّلات

حتى النصف الثاني من القرن العشرين، ظلَّ فلّاحو بلادنا يثابرون على زراعة أراضيهم بالحبوب والقطّان والبقول، وكلّ ما يساعدهم على سدّ حاجياتهم اليوميّة والمعيشيّة، غير أنّ موجةً ثانية من كثافة غرس الزيتون، بدأت ملامحها تظهر منذ ستينيات القرن الماضي بعد النكبة، لدى سكان قرى وبلدات فلسطينيي الداخل.

إنّ هذه الموجة في زراعة شجر الزيتون، متّصلة بتحوُّل في طبيعة علاقة الفلّاح بأرضه. تحوّل محمول بتحوّلات سياسيّة واجتماعيّة واقتصاديّة كذلك، بعد النكبة وقيام الدولة العبريّة.

في صورة لطوبوغرافيا قرية عين ماهل، التي صارت من أكثر قرى الداخل المشهورة بالزيتون، منذ السبعينيات، تُظهر صورة مُلتَقَطة من الجوّ تعود لسنوات الأربعينيات، أنّ كروم الزيتون المُحيطة بالقرية، كانت قليلة في ذلك الوقت. وهذا ينسحب على كثير من قُرى الداخل، فالأراضي التي كانت مخصَّصة لزراعة الحبوب والقطان، صارت تُغرس بالزيتون منذ الستينيات.

إنّ هذا التحوُّل، في زراعة أراضي البلاد العربيّة، دلالته سياسيّة بالدرجة الأولى، بحكم قيام الدولة العبريّة واشتراطاتها في زراعة الأرض. والأهمّ، هو التحوّل في بُنية الاقتصاد المعيشيّ لدى العرب في الداخل، من فلاحين كانوا يعتمدون على زراعة الأرض، إلى عمال مُياومين (يعملون بنظام مياومةٍ يتلقّون بموجبه أجورهم يوميًّا) في ورشات قطاع بناء المُستعمرات، وذلك حوّل العلاقة مع الأرض من علاقة يوميّة إلى علاقة موسميّة، وهذا التحوّل من اليوميّ إلى الموسميّ، اتّخذ شكل غرس الأرض بشتل الزيتون، فشجرة الزيتون لا تحتاج إلى رعاية يوميّة ولا سقاية دائمة، كما أنها قادرة على النموّ وحدها، مكتفيةً بالسقاية البعليّة.

حتّى الأراضي التي كانت مُخصَّصة تاريخيًّا لزراعة الحبوب بالدرجة الأولى، مثل مرج ابن عامر، ومن كان يفكر في تشجير أراضي مرج ابن عامر؟ مع مطلع الثمانينيات بدأت ظاهرة تشجير أراض المرج. من ينظر اليوم إلى الأراضي التي يملكها العرب في المرج، سيجد قسما لا بأس به منها قد تمّ غرسه بالزيتون، والذي جودة زيته رديئة، مقارَنة بالزيتون الجبليّ. ومع ذلك، فقد غُرس فيه الزيتون، كدليل على تحوّلات فيها قطيعة مع الأرض، أكثر ممَّا هي التصاقٌ بها. فالعرب صاروا عُمّالا وموظّفين، ولم يعودوا فلاحين؛ وكي لا تبور الأرض “زرعوها زتون”.

مزارع فلسطينيّ كسّر مستوطنون أفرع زيتوناته (أ ب أ)

ممّا لاشكّ فيه، أن تحوّل زيت الزيتون إلى موردٍ غذائي أساس، بديل عن السمن البلديّ الذي اختفى من مطابخ بيوت بلادنا، يفسّر لنا أيضا توجُّه الناس لزراعة الزيتون في آخر خمسين عاما.

مع أكبر مشروع مصادرة للأرض في السبعينيات، اقتلعت جرافات الدولة العبرية، زيتونا منه ما كان لا يزال “نصبا” بتعبير الفلاحين، أي ذلك الذي لم يعلُ ارتفاعه عن طول صبيّ بعد، غير أن اقتلاع المُعمّر منه، أو “العمدان” كما يسمّيه أهل قرية الرامة، يظلّ أشدَّ وطأة على صدور أصحابه، لأنه اقتلاع لماديّة ورمزيّة علاقة الإنسان بالمكان، معًا.


الهوامش :

1 . قسيس، شوقي، حيفا ليست قرطبة، دار التنوير للطباعة والنشر، 2011، ص28.

2 . عن عين الزيتون، راجع: حبيب الله، علي، عين الزيتون – حكاية الدم والدمع، موقع متراس، تاريخ 5 -2 – 2019.

3 . لانزا، فابريزيا، الزيتون – التاريخ الكوني، ترجمة : عمر سليم التل، دار كلمة، أبو ظبي، 2011، ص 45.

4 . المرجع السابق، ص 49.

5 . شوملي، قسطندي، بيت لحم – مدينة الفرح العظيم، مطبعة البطريركية اللاتينية، بيت جالا، 2020، ص 158.

6 . المحامي، توفيق معمر، ظاهر العمر، مطبعة فينوس، الناصرة، 1996، ص 133.


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.