اخبار الشرق الأوسط

دومينو | رواية | فسحة

 

صدرت رواية «دومينو» (2022)، للكاتب الفلسطينيّ خليل ناصيف، عن «منشورات إيبيدي» في الإسكندريّة. وتعقد الرواية مقارنات بين ما تعيشه الشخصيّات في الرواية خلال طفولتها ونشأتها، وتُظهر اضطراب ما بعد الصدمة الناتجة عن الصدمات خلال الطفولة، حيث شخّص الكاتب ذلك من خلال أسلوب السرد والتكلّم بضمير الغائب.

تنشر فُسْحَة – ثقافيّة فلسطينيّة فصلًا من الرواية بإذن من الكاتب.

 


 

فيلّا شقيرة، تقع في منطقة بعيدة نسبيًّا عن الحيّ السكنيّ، وأقرب البيوت إليها يقع على مسافة مئات الأمتار، ولا تربط سكّان الفيلّا بأهله أيّة علاقة. لذلك، حرص داود شقيرة على تركيب خطّ هاتفيّ، كان من أوائل خطوط الهاتف المنزليّة في المنطقة. عندما عادت مريم جدّدت اشتراك الخطّ الهاتفيّ على الفور، وبدأت تفتّش في دفاترها عن صديقاتها القديمات، خاصّة اللواتي تواصلت معهنّ بالرسائل خلال وجودها في أمريكا. أمّا سارة فبدأت تكتشف العالم حولها، وتبحث عن صداقات في الحيّ السكنيّ المجاور. كلّ يوم كانت تتناول وجبة إفطارها ثمّ تخرج للتجوّل حول المنزل.

مقابل الفيلّا كان ثمّة قطعة أرض خالية، تخيّم فيها أسرة بدويّة. جاءت المرأة البدويّة إلى الفيلّا، كانت تحمل وعاء بلاستيكيًّا أحمر يحتوي على الجبنة.

قالت لمريم: “هذه الجبنة هديّة لكم، حلوة غير مملَّحة، يمكن أطفالكِ أن يتناولوها مع السكّر”.
شكرتها مريم بأدب.

– الأولاد يريدون مشاهدة التلفزيون.

– ماذا؟

– “اسمحي لنا بتمديد سلك كهربائيّ من بيتكم إلى منزلنا”، قالت البدويّة بخجل.

حصلت الأسرة البدويّة على الكهرباء مجّانًا طيلة الصيف، وحصلت سارة على جبنة مجّانيّة، وحليب مجّانيّ، ورافقت عبير البدويّة خلال رعيها الأغنام، وتعلّمت ركوب الحمير. عبير كانت أكبر من سارة بسنة واحدة فقط. ذهبَت إلى المدرسة كلّما سنحت لها الفرصة، وتركتْها منذ الصفّ السادس الابتدائيّ.

في العام التالي، سوف تأتي الأسرة البدويّة مجدّدًا للتخييم مقابل فيلّا شقيرة، وسوف تلتقي سارة بعبير الّتي ستخبرها أنّها أصبحت مخطوبة لابن عمّها، وأنّ حفل الزفاف سوف يُقام بعد شهر.

وافق داود شقيرة على منح الأسرة البدويّة خطّ كهرباء إضافيًّا، من أجل حفل الزفاف.  في تلك الليلة، بينما كان الجميع يرقصون ’الدحيّة‘، وبينما كانت الخراف المُعَدّة للذبح تقضي ليلتها الأخيرة، خرجت سارة غاضبة وحزينة من خيمة عبير، أمسكت مقصّ أسلاك، وقطعت السلك الكهربائيّ. غرق الحفل بالعتمة.

انتقام سارة الصغير أزعجهم، لكنّهم أشعلوا نارًا، واستمرّوا بالرقص حتّى الصباح. لم ترَ سارة عبير مجدّدًا، لأنّها سكنت منزلًا طينيًّا في منطقة أريحا، وما أدراها لعلّها صادفت تلك البدويّة في شوارع أريحا أو رام الله، أو في إحدى جولاتها في البرّيّة، ولم تعرفها لأنّها تحوّلت إلى واحدة من الطفلات الزوجات ذوات العيون الزجاجيّة؟

ذات مرّة، كانت ترافق والدها في الطريق إلى نابلس عندما صادفا حادث سير خطيرًا. نزل والدها لمدّ يد العون للمصابين. كان السائق امرأة، ورأسها محنيّ فوق عجلة القيادة.

“يا ستّ، يا ستّ”، نادى الوالد بدون جدوى، ثمّ ثبّت رأسها وعنقها، ورفع جسدها قليلًا. نظر إلى عينَي المرأة، ونظرت سارة، كانت عيناها من زجاج.

“إنّها ميّتة”، ردّد الوالد.

كثيرًا ما تصادف سارة نساء بعيون زجاجيّة. في كلّ مرّة كانت تستحضر مشهد المرأة الميّتة في حادثة السيّارة، وتقول إنّهنّ ميّتات ومتشابهات جدًّا. تُرى، أيّ حادث سير أودى بحيواتهنّ؟

أحبّت سارة السلاحف بسبب قشرتها الصلبة، كان لديها سلحفاة صغيرة في الحديقة، وكثيرًا ما جلست تتأمّل قطّها الأشقر وهو يحاول التهام السلحفاة، قبل أن يستسلم ويجري إلى سارة، ليموء بنبرة يمتزج فيها الجوع والغضب. كانت تؤمن بالفكرة القائلة إنّ السلاحف تجلب الحظّ الجيّد، لكنّها، في حياتها، لم تعتمد كثيرًا على الحظّ.

“حتّى السلاحف نفسها تعتمد على دروعها الصلبة أكثر من اعتمادها على الحظّ”. اعتبرت سارة الحظّ الجيّد نوعًا من الشوكولاتة اللذيذة، لكن، غير الصالحة كوجبة رئيسيّة في حياة الإنسان.

تخيّلت البشر الّذين يعتمدون على الحظّ وحده بهيئة تماثيل من الشوكولاتة البيضاء، ينصهرون عند الوقوف أمام النار الّتي يصادفونها في دروب حيواتهم. ثمّ إنّ الدروع تحمينا من التحطّم في حوادث السير. لم تسمع يومًا عن سلحفاة ماتت بسبب خروج سيّارتها عن المسار المرسوم.

سلحفاة سارة مثل قطّها الأشقر خشنة وبرّيّة، وعلى سجيّتها، تتشارك الأُلفة مع البشر في دائرة محدّدة، بينما تمارس حياتها الوحشيّة البرّيّة خارج الدائرة. لذلك لم تُطلِق على القطّ أيّ اسم، ولم تطلِ أظافر السلحفاة الصغيرة بالمنيكير.
 

***

 

كانت سارة تتمتّع بعينين بُنّيّتين، لكنّها، بخلاف الغالبيّة العظمى من ذوات الشعر الأحمر الّذي يتميّز بالخشونة، كانت تتمتّع بشعر أحمر أملس وطويل، ممّا منحها لمسة أنثويّة، خفّفت من ملامح وجهها الذكوريّة الحادّة في تلك الفترة من عمرها.

في أثناء إقامتها في الولايات المتّحدة، قصّت سارة شعرها إلى مستوى الأذنين، وحاولت تغيير لونه بصبغ خصل منه بألوان الأزرق والأصفر والأبيض، نجحت في البداية، لكن، دفعها فضولها إلى تجربة مزج الأزرق والأصفر معًا للحصول على لون أخضر، فتحوّل شعرها كلّه إلى لون أخضر باهت. عندما نظرت إلى وجهها في المرآة، وجدت وجه ساحرة شرّيرة تنظر إليها بفضول، لم تجد حلًّا سوى صبغ شعرها بالأسود، فأصبح مظهرها يشبه مظهر ولد مراهق.

 في تلك الأيّام، سجّلها والدها في «نادي شايمون للكراتيه»، وهناك جرّبت سارة قُبلَتها الأولى مع فيكتور الفتى المكسيكيّ الأسمر الّذي يكبرها بثلاث سنوات، ورفيقها في «بطولة ميامي لأندية الكراتيه».
كانت تجلس برفقته على الشاطئ، وتتناول مشروب الأناناس بالصودا، وقالت:

– فيكتور، قبِّلني.

– ماذا؟

– أريد أن أجرّب الأمر الآن، قبِّلني قبل أن أغيّر رأيي.

– هل أنت جادّة؟

– هيّا، قبل أن أغيّر رأيي.

لعقت سارة شفتيها بلسانها؛ لتتذوّق طعْم القبلة.

زمّت شفتيها، وقالت: “فيكتور، قُبلاتكَ حامضة، لها مذاق البندورة الفاسدة، ابتعد عنّي.

– أيّتها العاهرة.

– ابتعد عنّي.

صفعته سارة على وجهه، وبدأ بينهما عراك مثير، بينما وقف المصطافون حولهما يشاهدون مباراة الكراتيه المجّانيّة بين الفتاة الطويلة البيضاء والفتى المكسيكيّ الضخم. انتهى العراك بعد دقائق، ووجد فيكتور نفسه ممرَّغ الوجه في الرمال. وقفت سارة تلهث، ركلته في خصيتيه، ثمّ غادرت الشاطئ، وهي تلمس خدشًا خفيفًا في صدرها تحت قميص الـ ’تي شيرت‘ الّذي تمزّق قطعتين.

تقدّم فيكتور بشكوى ضدّ سارة، كانت نتيجتها الطرد من البطولة، لم يفرح بفوزه كثيرًا، لأنّه أصبح مثار سخرية رفاقه في النادي، لحقيقة أنّ فتًى ضخمًا مثله تقدّم بشكوى، فحواها أنّ فتاة صغيرة اعتدت عليه بالضرب.

اصطحب داود سارة إلى البيت، حاول في الطريق التخفيف عنها، وممازحتها.

– لستُ حزينة، يا أبي، انظر، لم أتعرّض إلّا لخدش صغير، وابتسمت ابتسامة ساخرة.

كذبت سارة على والدها، لأنّها لم ترغب في أن تُسبّب له الحزن، لقد تعرّضت لشرخ عميق في رؤيتها التلقائيّة البسيطة للعالم، شرخ شعرت بأنّه يُقيّد فضولها الكبير لتجربة الأشياء، احتاج الشرخ إلى فترة طويلة ليلتئم، لذلك عندما بادرتْ بتقبيل رامي في كوخ الشجرة، شعرت بنشوة هائلة، لم تسمعْه وهو يتحدّث عن القُبلات بمذاق التوت، لأنّها كانت منتشية. أغمضت عينيها، ومدّت أصابعها إلى أعماق قلبها، تلمّست المكان. لم تجد أثرًا للندبة الّتي تركها جرح فيكتور. قبّلها رامي مرّة، وعندما فتحت عينيها، قبّلته مرّتين على شفتيه، وكادت في المرّة الثانية أن تأكل قطعة من شفته السفلى، لكنّه لم يضربها، بل عرض عليها العلكة:

– ياه! لستُ لذيذًا لهذه الدرجة!. ووضع يده على النمش الخفيف الّذي يغطّي خدّها.

– هل تحبّه؟

– ماذا؟

– النمش.

– أُحبّه، أظنّ أنّه يجعل الفتيات حقيقيّات أكثر وشابّات أكثر، ثمّ إنّ…

– إممممم؟

– بدون النمش تنزلق القبلات عن وجه الفتاة؛ لأنّه أملس جدًّا.

– من الجيّد أنّكَ قبّلتني قبل أن يزول النمش، وتنزلق معه قبلاتك. كانت صديقتي البدويّة تجلب إليّ حليب الماعز كلّ يوم، وتطلب منّي أن أشربه باردًا، لأنّه يزيل النمش، وهكذا بدأت أشرب كمّيّات كبيرة من الحليب، حتّى بعد رحيل عبير، ما زلت أشرب الحليب البارد في كلّ يوم، بالطبع ليس لإزالة النمش، فأنا أحبّ نمَشي، لكنّني أدمنت على شرب الحليب، غالبًا أصبح دمي الآن أبيض.

– جدّ؟.

– يوجد أشخاص دمهم أزرق؛ فلماذا تندهش من وجود فتاة ذات دم أبيض؟

– هل شاهدتِه؟ أقصد دمكِ الأبيض؟

– لا، فعليّ أن أجرح إصبعي لأرى، لكنّي لست في حاجة إلى ذلك، فأنا أشرب الكثير من الحليب بما يكفي لتحويل كوكتيل التوت إلى حليب.

– كوكتيل التوت؟

– نسيت أن أخبرك. عندما كنت طفلة، كان دمي عبارة عن كوكتيل توت!

– هذا يفسّر الأمر، لشفتيكِ مذاق التوت الأحمر.

– سوف أشرب المزيد من الحليب، إذن، إلى اللقاء صديقي، عندي مغامرة بعد قليل. قبّلَته بسرعة، وركضَت في الظلام.

 


 

خليل ناصيف

 

 

 

كاتب، وشاعر، وروائيّ فلسطينيّ يعمل في إدارة قسم الكوارث في «الهلال الأحمر الفلسطينيّ». صَدَرَت له عدّة مؤلّفات من بينها «وليمة للنصل البارد» (2014)، و«الغابة الّتي قفزت من الصورة» (2017).


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.