اخبار الشرق الأوسط

سامي عبد الراضي يكتب عن خيرت السبكي و«حنفي جمال وحبيبته وأغاني عمرو دياب» – مصر

«يتم تشديد الخدمة والحراسة على الأماكن الهامة وعدم السماح لأي فرد أو مركبة بالاقتراب من البوابات والأسوار إلا بعد التعرف عليها وتفتيشها تفتيش دقيق ويتم الإبلاغ الفوري عند الاشتباه أو التعرف على أحد الاشخاص الآتية: ملازم أ خيرت سامي عبد الحميد السبكي، ملازم أ إسلام وئام أحمد حسن، ملازم أ حنفي جمال محمود سليمان، ملازم أ محمد جمال عبد العزيز».. كان هذا ملخص ما حصلت عليه في مايو 2016 ، المعلومات ليست نصية، ولكن وصلني «نشرة بالألوان» وزعها قطاع الأمن الوطني في هذا التوقيت على جميع الأماكن الشرطية والمقرات الهامة في القاهرة والجيزة.

تواصلت في هذا التوقيت مع مصادر أمنية كثيرة.. كان هدفي صناعة قصة خبرية في جريدة «الوطن» عن هؤلاء، والذين قالت عنهم النشرة «أشخاص» ولم تشر إلى أنهم كانوا ضباطا سابقين.. وبدأت الخيوط تتجمع لدي: «دول 4 ضباط.. انقطعوا عن العمل من يوم 29 أبريل 2016.. ودول متدربين تدريب عالي جداً.. وكان ناس منهم مرشحة تنضم لقوات مكافحة الإرهاب.. وهي أعلى درجات الاحترافية واللياقة البدينة والذهنية والأعلى انضباطا.. وأحدهم وهو حنفي جمال كان الحارس الشخصي لمدير قطاع العمليات الخاصة اللواء مدحت المنشاوي.. هذا الرجل.. وسألت.. وما الأزمة؟.. ولم النشرة؟.. وجاءت الإجابة.. الأربعة عندهم ميول.. وانضموا للجماعة الإرهابية وكانوا بيحضروا دروس دينية لشيخ متطرف.. وحصل لهم غسيل مخ.. ولما اتعرف حقيقتهم في قطاع العمليات الخاصة.. تم نقلهم إلى مديريات أمن مختلفة.. بس دول بقوا خطر.. لأنهم عارفين طرق التدريب وكيفية التأمين وأحدث الأساليب في الاشتباكات».

قال لي يومها أحد زملاء الضباط الأربعة: «خيرت ده متشدد جدا.. وهو اللي سحب باقي المجموعة.. رغم إنه خجول وإحنا في القطاع مسمينه البنوتة.. حنفي مكانش متطرف ولا متشدد.. ده كان شاب عادي.. بس وقع في الخيط.. رغم إنه شارك في فض اعتصام رابعة.. وكان في المقدمة وكان يومها مقتنع بضرورة الفض لأنه خطر بسبب الأسلحة الموجودة جوة.. التحول الغريب ده وغسل المخ سببه خيرت والشيخ اللي كانوا بيروحوا له يسمعوا دروس.. دروس كرهتهم في شغلهم وفي الدولة».

نشرت التقرير في اليوم التالي.. ونقلته حينها بعض الفضائيات والمواقع.. وبعد شهور فوجئت بنيابة الدقي تستدعيني للتحقيق في بلاغ بخصوص الواقعة.. وأن اثنين من أسر الضباط الأربعة اتهموني بنشر أخبار كاذبة والتشهير بهم.. وفي التحقيق قدمت ما لدي من أوراق وصور ومستندات.. وكان أبرزها بيان النائب العام عن قضية أنصار بيت المقدس وعن جرائمهم وتصدر الضباط الأربعة الهاربين البيان وجاءت أسماؤهم كاملة وعن تكوينهم خلية تستهدف مجموعة من الاغتيالات «وعليه تم حفظ القضية نهائيا».

مر قرابة عامان ونصف، وتحديدا في نوفمبر 2018.. انتهت الحكاية بمقتل خيرت سامي وحنفي جمال.. ونشرت فيديوهات وصور أكدت أن قصفا جويا كان وراء مقتلهم هو ومجموعة أخرى من العناصر الإرهابية في سيناء.. ومن خلال الصور والنعي الذي بثه المركز الاعلامي للتنظيم الإرهابي في سيناء أن حنفي جمال أطلق على نفسه «أبو عمر» وشارك في عمليات إرهابية عدة واستجواب شاب من الذين سقطوا في قبضة الإرهابيين وساهم ايضا في ذبح رهائن هو والضابط السابق خيرت سامي، وأوضحت الفيديوهات والصور أن القتيل الثاني من الضباط السابقين هو خيرت سامي عبدالمجيد السبكي المولود بالقاهرة عام 91 وأطلق على نفسه «أبو علي» وكان مدربا للإرهابين في سيناء ومخطط لجرائمهم في اقتحام مواقع للجيش والشرطة.

نشرت تفاصيل مقتلهم وكيف كانت نهايتهم لتظهر خلال أسبوع مفاجأة لي.. وجدت فتاة عشرينية تقف بالقرب من مقر الصحيفة.. اقتربت مني وقالت: «أنا جيت مرتين هناعشان أقابلك.. أنا عندي معلومات بخصوص الضابط حنفي جمال».. اندهشت ..وسألت نفسي.. كيف لإرهابي متطرف أن يعرف فتاة بهذا الشكل؟.. هي بدون غطاء رأس.. شابة جميلة ترتدي بنطلون وملابس عادية.. قالت لي: «متأكد إن ده حنفي» وعرضت علي صورة لحنفي وهو مقتول ومكتوب على الصورة أبو عمر.. وتحتها اسمه رباعيا «ده مش معقول يكون حنفي».. ما زال الاندهاش يسيطر علي وقلت لها : «ما هذه الثقة.. وإنتي تعرفي حنفي منين أصلاً».. كانت هادئة ولكن بداخلها بعض الحزن وكثير من اليأس.. وقالت: «أنا من المنصورة.. وطالبة جامعية هنا في القاهرة.. واتعرفت عليه وكان جدع جدا.. وكان بيسمع أغاني شبابية زينا وكان حافظ أغاني عمرو دياب.. وبيغنيهالي وكنا بنخرج عادي كل ما ظروفه تسمح.. وعرضت عليا صور حنفي وهو في قطار.. أرسلها لها وكتب: «أنا وصلت الشغل»، يبدو أن هذه الصورة وقت نقل حنفي من قطاع العمليات الخاصة للعمل بإحدى مديريات الأمن.

تأكدت من صدق حديثها عندما قالت لي نصا: «وهو في مأموريته في أسوان 27 أبريل 2016 كلمني وهو في طريقه إلى القاهرة فجأة لأظهر له تعجبي لماذا تأتي الآن وهو ليس موعد إجازتك ليخبرني أنه أخذها طارئة ليراني ونتقابل وكنت أشعر بنظرات وهمسات وداع في ملامحة في هذا اليوم ويقبل رأسي مرارا.. قائلا إنه ذاهب لمأمورية في سيناء عدة أيام ولن يستطيع محادثتي وسوف يعود ليحتفل بعيد ميلادي شهر مايو ويتقدم لخطبتي بعدها.. وحاولت أكلمهمعرفتش.. الرسايل مبقتش توصل.. وفضلت مستنية أي معلومة.. أنا كنت لسة معرفش أهله.. وحتى هو قال لي إنه لسة مكلمهش عني.. لحد ما قريت أخبار وشفت صور في 2016 عقب هروبه من عمله.. ومن يومين قريت إنه مات.. وشفت صور له وقلت اجي أتأكد منك».

الفتاة كانت متزنة.. في حالة هدوء.. لم تدمع.. وربما آثار الصدمة كانت مؤثرة.. وكانت حاضرة..قالت: «أنا حبيبة حنفي.. ازاي يعمل كدة وإيه غيره.. مكانش كدة.. كان عادي وناجح».. سألتها: «هل لديك معلومات.. أجابت: «سأحضر لك بعض الصور التي كان يرسلها الي وسنلتقي قريبا».. استاذنتها في رقم هاتفها ليكون التواصل أسرع وأن نلتقي دون أن تنتظر ساعات قرب مقر الصحيفة كما فعلت اليوم.. رفضت وهي تقول: «سأبدأ حياة جديدة بعيدة عن الحب الذي جمعني بحنفي قرابة عامين.. حياة بعيدة عن الحيرة وألف علامة استفهام كانت لدي عقب اختفائه.. وعلامات استفهام أخرى بعد تحوله لإرهابي يقتل الأبرياء.. وحتى مقتله ورؤيتي لصوره قتيلاً.. وفيديو يتحدث فيه بغلظة شديدة وعنف.. تابعت هذا الفيديو عندما عملت بمقتله وبدأت عمليات البحث على الإنترنت.. أعيش في صدمات متلاحقة.. لن أخرج منها إلا بالنسيان وأن أبدأ من جديد.. سأبدأ حياتي من جديد.. من جديد».


المصدر: اخبار الوطن

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *