اخبار الشرق الأوسط

منبوذو العصر وأسيادهم | قراءة في ’منبوذي‘ أغامبين | فسحة

 

سوف أعمل في هذه المقالة على محاولة فهم ظاهرة المنبوذ في مجتمع حديث تحكمه ’الحياة العارية‘، قارئًا وضعًا اجتماعيًّا معطًى، تشكّل ’الحياة العارية‘ نقطة بدايته، ويستند إلى مكوّنات الّتي سوف نقف عندها في القسم الأوّل من المقالة: بنية الاستثناء، حالة الطوارئ، العقاب السياديّ. وهي المكوّنات الّتي تساهم في بناء ظاهرة المنبوذ في المجتمعات الحديثة كما يقدّمها الفيلسوف الإيطاليّ جورجيو أغامبين في كتابه «المنبوذ: السلطة السياديّة والحياة العارية»[1]. بينما سيعمل القسم الثاني على تناول الظاهرة ذاتها، شارحًا ومفصّلًا مكوّناتها الداخليّة.

 

ثلاث مكوّنات في ظاهرة المنبوذ

أوّلًا، الاستثناء: يوظّف أغامبين هذه الكلمة في فهم ظاهرة المنبوذ، ويذكر عمل السيّد في حالة الاستثناء على إبعاد موضوعه (ليس من خلال إجراء أو فعل محدّد)، والبدء بهدم الوضع السياسيّ والاجتماعيّ الخاصّ بـ ’موضوع الإبعاد‘ وإعادة بنائه، أثناء تعليق صلاحيّة القانون من بين تحرّكات عدّة ومهامّ وممارسات يحقّق الاستثناء فيها ذاته. إنّ السيّد يعلّق منظومة حقوق موضوع الإبعاد انتزاعًا، ويُبْقي عليه في صيغة ’وجوده العضويّ‘ دون ما نعرّفه بـ ’حقوقه السياسيّة‘ المشتقّة من العيش في المجتمع والعضويّة في الدولة.

تشتمل بنية الاستثناء على تراتب هرميّ واضح المعالم، يقف على رأسه السيّد، ويمكنه من خلال موقعه هذا رؤية مفاصل البنية ومكوّناتها والوصول إليها؛ ممّا يضعه فوق المجتمع؛ إنّه الطرف الوحيد في البنية، وهو بهذا المعنى الطرف المهيمن…

تشتمل بنية الاستثناء على تراتب هرميّ واضح المعالم، يقف على رأسه السيّد، ويمكنه من خلال موقعه هذا رؤية مفاصل البنية ومكوّناتها والوصول إليها؛ ممّا يضعه فوق المجتمع؛ إنّه الطرف الوحيد في البنية، وهو بهذا المعنى الطرف المهيمن. ينطلق أغامبين من هذه البنية المركّبة لمجادلة ’مفارقة السيادة‘، الّتي تشتمل على مكوّنين متناقضين هما: أ. موقع السياديّ فوق القانون، الّذي يمنحه قدرة تعليق فعاليّته؛ أي كونه خارج المنظومة القانونيّة. ب. انكشافه الشرعيّ على جميع المركّبات والمفاصل للاستثناء، وتضمّنه فيها بشكل قبليّ. يكتب أغامبين: “السياديّ، متملّكًا القوّة الشرعيّة لتعليق صلاحيّة القانون، يموضع نفسه – بشكل قانونيّ – خارج القانون. بهذا المعنى؛ يمكننا استخدام هاتين الصيغتين لوصف مفارقة السيادة: القانون هو خارج ذاته. أو: أنا، السياديّ، الّذي يقف خارج القانون، أصرّح بعدم وجود شيء خارج عنه”[2].

ثانيًا، حالة الطوارئ: تبدأ حالة الطوارئ من تعليق صلاحيّة القانون؛ أي وقف العمل بحسب المنظومة القانونيّة الحاليّة، وافتراض شيء ما (قد تتّسع وتضيق حدوده) لا تقع عليه المنظومة القانونيّة القائمة، ولا تنصّ على جملة الأحداث الّتي تكوّنه؛ ما لا يمكن تقنينه بواسطة الأدوات المتاحة. وتنطلق الحالة من قدرة السيّد الكلّيّة على تعليق القانون. يقول أغامبين إنّ هذه الإمكانيّة والقدرة؛ أي تعليق صلاحيّة القانون، ملازمة لمَنْ هو السيّد، إنّه صاحب القوّة القادرة على تحديد حالة ما ’خارجة عن المنظومة القانونيّة‘، وبالتالي التعامل معها وتأطيرها بـ ’حالة طوارئ‘؛ تعليق القانون يعني قدرة السيّد على بناء ما يريد من المنظومة القانونيّة وهدمه أثناء تعليقها[3].

المميّز الأوّل لحالة الطوارئ هو التداخل بين الاستثناء والقاعدة، عندما تصبح حقيقة ’القانون معلّقًا‘ واقعًا قائمًا ومستمرًّا؛ أي قاعدة؛ وهي ليست حالة فوضى، أو حالة غير قانونيّة أو حالة لا-قانون، بل ثمّة آليّة قوننة جديدة هي القرار السياديّ المباشر الّذي يستمدّ شرعيّته من ذاته[4].

ثالثًا، العقاب السياديّ: بعد نفاذ ’الأدوات المتاحة‘، ومن ثَمّ إعلان حالة الطوارئ، يعمل السيّد على بناء أدوات جديدة، وهدم أخرى قديمة. يظهر أغامبين العقاب السياديّ تجسيدًا لبناء علاقتنا – نحن البشر – مع ما هو غريب عنّا خلال عمليّة معرفته[5]، إنّها علاقتنا بمحيطنا في شكلها الأوّل “العقاب هو الشكل المحض للإشارة إلى شيء ما بشكل عامّ، وهو يشتمل على دخولنا وتعاطينا مع غير المعرّف (Nonrelational)”.

في القسم الأوّل من الكتاب، يشرح أغامبين مبنى العقاب السياديّ (The Structure of Sovereign Ban) بوصفه تلقائيّ الاستمراريّة، ويحدّده بصفته قوّة كامنة – لا تؤشّر إلى شيء ما محدّد –[6] تصبح قانونًا بعد ممارستها من قِبَل السيّد. عقوبة السياديّ (Sovereign Ban) هي قانون يحدّده السيّد لواقعة جديدة، لم تعرّف – بحسب قراره – في النظام القانونيّ السابق؛ أي أنّ عقوبة السياديّ هي قانون مؤسِّس.

لاحقًا، يستخدم أغامبين قصّة «أمام القانون»[7] من أجل الاستدلال على العقوبة، بوصفها بابًا مفتوحًا بشكل دائم[8]. العقاب مفتوح دائمًا – تمامًا كما الباب في القصّة – وهو لا يتضمّن شيئًا سوى عدم قدرته على التسمية في كلمة ما، أو قل عدم تحديده في شيء محدّد بعينه، وبالتالي انفتاحه على كلّ الاحتمالات. يكتب أغامبين: “يؤكّد القانون في قوّته القصوى استنفاده لقدراته التفسيريّة الّتي يتحدّد من خلالها في شيء ما بعينه، وهو ما يعني – العقاب في شكله المحض”[9]. إنّه منفتح على تفسير كلّ شيء دون أن يُحْشَر في كلمة أو اسم أو واقعة ما.

 

المنبوذ

أوّلًا، الحياة العارية Bare Life: يمكننا ترجمة Bare Life إلى الحياة العارية، بينما Bare وحدها قد تعني التذييل؛ وهو أخذ الشيء إلى مستواه الأدنى. يمكننا أيضًا استخدام العبارة للاستدلال على الوجود المحض للإنسان. bare باليونانيّة تعني Pure Being، بينما يوجد لكلمة ’حياة‘ مفردتان هما: bios و zoē اللتان يستخدمهما أغامبين في تحديده معنى مفردة ’حياة’ (Life) في العبارة. تعني الأخيرة الحياة العضويّة للإنسان، وجوده البيولوجيّ، وتقدّم الأولى معنًى للحياة المدنيّة أو العيش في المدينة (Polis). ما يقوله أغامبين هو التالي: تقع الحياة العارية على العتبة الّتي تفصل وتربط بين السياسيّ bios والطبيعيّ zoe، في نقطة التقاطع، في مرحلة لا – تمايز بين النمطين، إذ “تشكّل الواحدة الأخرى، تتضمّن وتقصي الواحدة الأخرى”[10].

ثانيًا، المنبوذ: هو إطار قانونيّ رومانيّ[11]؛ يُرْفَع العقاب عن قاتل المنبوذ وتُمْنَع التضحية به. لا يكون التعامل مع قتله على أنّه ’شروع في القتل‘ أو لنقل إنّ مَنْ يقتل المنبوذ لن يُدان من أجل قتل نفس بشريّة. تشتمل الظاهرة على تناقض داخليّ، ينمو في استمرار الهدم والبناء، الجذب والتنافر بين مركّبات المكوّنات المتناقضة داخل ما يسمّيه أغامبين ’المقدّس المتاح‘ (Sacratio)[12].

المنبوذ: هو إطار قانونيّ رومانيّ؛ يُرْفَع العقاب عن قاتل المنبوذ وتُمْنَع التضحية به. لا يكون التعامل مع قتله على أنّه ’شروع في القتل‘ أو لنقل إنّ مَنْ يقتل المنبوذ لن يُدان من أجل قتل نفس بشريّة…

في الحقيقة، تعني بنية ’المقدّس المتاح‘ إقصاءه من القانون المدنيّ في الأولى، وإقصاءه من السماء في الأخيرة. هذا الإقصاء المضاعف[13] يضعه في مساحة حيث لا تتوفّر له الحماية من أيّ إطار حقوقيّ أو دينيّ، كما تعني تضمّنه المضاعف أيضًا في السماء لعدم إمكان التضحية فيه وفي المجتمع، ضمن صيغة ’إمكان قتله‘.

في تحليله لحياة المنبوذ، يصل أغامبين إلى التطابق التامّ بين الحياة العارية والحياة المقدّسة في الظاهرة نفسها: “إنّ الحياة الّتي لا يمكن التضحية بها، ويمكن القضاء عليها بالقتل، هي – هي  ’الحياة المقدّسة‘ (Sacred Life)[14]، ويوضّح من خلال مكوّني بنية المقدّس المتاح: المقدّس في الحياة المقدّسة مقابل المتاح في الحياة العارية، هذا التطابق وتجسيده في الخضوع الدائم لسلطة الموت في مجتمعات تحتوي المنبوذين والسادة، صاحب القرار والموضوع، الفاعل والمفعول، السائل والمجيب، التنكيل وغيره من أشكال التعذيب والقتل المختلفة.

يعمّم أغامبين نموذج المنبوذ (Homo Sacer) علينا جميعًا[15]؛ جميعنا منبوذون ومنبوذات في عيون بعضنا، وأسياد في الوقت نفسه. في الحياة العارية جميعنا يمكننا القتل والانتقام والضرب، بصيغ وأدوات ولأهداف مختلفة. الحياة الّتي يعيش من خلالها المنبوذ حياة يمكن الجميع القضاء عليها بأيّ وسيلة باستثناء التضحية، وحتّى قتله فإنّه يعيش بوصفه موضوعًا للعنف، في هذه الحياة، نصبح جميعًا أسيادًا أو منبوذات/ ين. في كلمة ’الجميع‘ الأخيرة نقصد أنّ السياديّ مبعثر على كلّ أرجاء حياتنا، في كلّ مكان، يملك القوّة والقرار والقدرة على التنفيذ[16]. يقول أغامبين إنّ الحقيقة المتمثّلة في المنبوذ هي الثمن الّذي ندفعه جميعًا؛ من أجل العضويّة في الدولة والعيش في المجتمع[17].

من على عتبة هذا البند، يتوجّب عليّ ذكر ما يلي: أ. تحديد عقوبة القتل (برفعها عن قاتل المنبوذ) هي بذاتها توسيع لسلطة القويّ. ب. تحديد عقوبة القتل برفعها هي ما نعنيه بالباب المفتوح على جميع الاحتمالات وكلّ المجالات.

 

منبوذو العصر

ثالثًا، التجربة: نقرأ في تقرير تجربة أُخْضِعَت فيها ’العيّنات الإنسانيّة‘ لضغط ناجم عن ارتفاع 12,000 متر: ألقيت، “بعد أربع دقائق بدأت تتعرّق وتهزّ رأسها. بعد ذلك بخمس دقائق أُصيبت بتشنّجات، من ستّ دقائق إلى عشر بعد ذلك تسارع التنفّس وفقدت وعيها؛ في غضون الدقائق العشر والدقائق الثلاثين اللاحقة انخفض تنفّسها إلى ثلاث شهقات في الدقيقة، قبل أن يتوقّف تمامًا. خلال هذا الوقت، أصبح لون البشرة شديد الازرقاق، وظهر اللعاب على طرفَي الشفتين. يتبع ذلك تقرير تشريح الجثّة للتحقّق من الأضرار العضويّة المحتملة”[18].

هذه نتائج لتجربة على منبوذين، قد خُصّصت لإنقاذ حياة الطيّارين الألمان في الحرب العالميّة الثانية، ومثلها تجارب لإنقاذ البحّارة تفحص إمكانات البقاء على قيد الحياة في الماء المتجمّد، وحول صلوح ماء البحر للشرب، أو تجارب تلقيح بكتيريات الحمّى النمشيّة (قُتل 97 شخصًا في تجربة واحدة)، وفيروس التهاب الكبد المتوطّن أو زرع الكلى والالتهابات الخلويّة، أو تأثير هرمونات معيّنة في الإنسان، أو تجارب زرع بكتيريا الباسيل البريباري على محكومين بالإعدام، أو دراسة آثار الإشعاعات النوويّة عبر تجربتها على ناس دون علمهم. وصل الانهيار ببعض المنبوذات/ ين إلى امتصاص الماء العذب من الممسحة أثناء التجربة. سنة 1928 أصيب 800 سجين في الولايات المتّحدة بعدوى بعوضة الملاريا أثناء تجربة حول مضادّ حمّى المستنقعات. ثمّة محكوم بالإعدام حُقِن له الجذام مقابل العفو، ومات بعد التجربة. هذه تجارب أُجريت على مجموعات معيّنة من البشر، تجمعها روابط إثنيّة أو ثقافيّة، أو ينتمون إلى فئات محدّدة في المجتمع. يستطيع السيّد أن يفتك في هذه المجموعات متى يشاء وبشكل قانونيّ، ضامنًا الحكم الأخلاقيّ من الجميع بالقوّة، ومكرّسًا كلّ ما يلزم؛ من أجل ضمان نجاح التجربة في بناء معسكرات الاعتقال والقانون العسكريّ. 

يُقَدَّم للمنبوذ وعد، حال بقائه على قيد الحياة بعد التجربة، بالحطّ من عقوبته، ويوقّع على مسؤوليّته الكاملة، وبإرادته الخاصّة، عن نتائج التجربة؛ ما يرفع عقوبة القتل عن المنفّذين والجهات المسؤولة عن التجربة…

يُقَدَّم للمنبوذ وعد، حال بقائه على قيد الحياة بعد التجربة، بالحطّ من عقوبته، ويوقّع على مسؤوليّته الكاملة، وبإرادته الخاصّة، عن نتائج التجربة؛ ما يرفع عقوبة القتل عن المنفّذين والجهات المسؤولة عن التجربة، ويشكّل شرعيّة أخلاقيّة للقيام بها (ما يثير دهشة أغامبين هو الحصانة الأخلاقيّة والقانونيّة الّتي يتمتّع بها منفّذو التجارب في المجتمعات الحديثة): “متحمّلًا كلّ مخاطر هذه التجربة، أعفيت «جامعة شيكاغو» وكلّ التقنيّين والباحثين الّذين ساهموا فيها، وحكومة إليانو، والمدير وموظّفي سجن الدولة، من كلّ مسؤوليّة، بما في ذلك مسؤوليّتهم إزاء ورثتي ومَنْ يمثّلونني؛ وبالتالي أتخلّى عن كلّ دعوى مهما كان الضرر الجسديّ أو المرض، حتّى وإن كان مميتًا، الّذي قد ينجر عن هذه التجربة”[19].

 

خاتمة

بعد الإقصاء من المجتمع السياسيّ، يُحْشَر هؤلاء المساجين، أو ’المنحرفون‘، أو أسرى الحرب، أو المحتجَزون في معسكرات الاعتقال، وغيرهنّ/ م من أمثالنا، في مستوى الوجود العضويّ، وبالتالي فإنّ انتزاع الحياة السياسيّة هو أحد الوجوه الجديدة الّتي تظهر بعد الحشر.

بينما تحافظ علاقة قرار السياديّ بجوانب الحياة جملة وتفصيلًا على بنيتها الأساسيّة قبل الحشر وبعده، منمّية أسسًا وأدوات وأنماط تمظهر جديدة في عمليّة الحشر نفسها. إنّ “ما يهمّنا هنا بشكل أخصّ، هو أنّه في الأفق البيوسياسيّ الّذي يميّز الحداثة، يتحرّك الطبيب ورجل العلم في هذه الأرض البكر، الّتي وحده صاحب السيادة كان بمقدوره دخولها في ما مضى”[20]؛ أي أنّ السيّد في المجتمعات الحديثة بات ممكنًا في أيّ مكان، مراكمًا لقدرة الظهور في كلّ مكان، بعد أن حُصِرَ في شخص السيّد أو الحاكم لعقود خلت.

 


إحالات

[1] Agamben, Giorgio (1995). HOMO SACER: Sovereign Power and Bare Life (translated by: Daniel Heller-Roazen). Stanford California: Stanford university.

يضيف أغامبين المكوّنات الآتية الّتي لن نأتي على ذكرها أو شرحها في المقالة: النموذج (Example)، والإقصاء المتضمّن (Inclusive Exclusion)، والكمون Potentiality. 

[2] مصدر سابق، صفحة 29.

[3] في حالة الطوارئ ينشأ التطابق بين العنف والعدل (Bia and Dikē)؛ أي أنّ العنف المستخدم بعد إعلان الطوارئ يصبح عادلًا؛ ما يعطيه الشرعيّة والاستمرار الدائم. في هذا التطابق تتوسّع صلاحيّات السياديّ نسبة إلى وضع ’ما قبل الطوارئ‘، وتتسرّب سلطة القويّ (The Power That With The Strongest Hand) إلى كلّ مفاصل ’بنية الاستثناء‘. يقدّم أغامبين في الفصل الثاني من القسم الأوّل ثلاث رسومات ليوضّح معنى حالة الطوارئ في الدولة الحديثة؛ يمكننا تخيّل أنماط تنظيم الحياة الّتي استخدمها الإنسان على امتداد تاريخه، بواسطة محور يبدأ من ’وضع الطبيعة‘، أو ’حياة الطبيعة‘، أو ’إنسان ما قبل الدولة‘، أو ’حرب الكلّ ضدّ الكلّ‘ كما يصفها هوبس، أو ما قبل ذلك كثيرًا، وينتهي في ’دولة القانون‘. ما يقوله أغامبين بأنّ حالة الطوارئ (figure 2) هي التداخل بين بداية المحور ونهايته، أو لنقل التماثل بين حدودهما وتحوّل دولة القانون ’القاعدة‘ إلى ’حياة الطبيعة‘ وإخضاعها إليها. ويضيف أنّ المرحلة المتأخّرة من هذا التداخل، مرحلة التجانس (figure 3) في وحدةٍ واحدة، يصبح فيها الاستثناء هو-هو القاعدة.

 

 

 

[4] مصدر سابق، صفحة 18.

[5] مصدر سابق، صفحة 29.

[6] Agamben, Giorgio (1995). HOMO SACER: Sovereign Power and Bare Life (translated by: Daniel Heller-Roazen). Stanford California: Stanford university, p 49-51.

 [7] ما تنصّ عليه القصّة هو الآتي: القانون موجود داخل باب مفتوح (يقف على عتبته حارس)، لا يوجد شيء بداخله، تمامًا كما خارجه. لا يمكن ’فتح الباب‘ لكونه مفتوحًا منذ البداية. هو معطًى بهذه الصيغة ولا يمكن تغييرها؛ أي أنّ القانون – ما هو داخل الباب – يخرج إلى الخارج بشكل تلقائيّ، هو داخل الباب وخارجه في الوقت نفسه. يعود الفيلسوف بواسطة قصّة الرجل الريفيّ إلى القانون في شكله الأوّل، ويعرّف ’جذر القانون‘ باعتبار العقوبة مكوّنًا عضويًّا فيه. في «أمام القانون»، يقف الريفيّ دون قدرة على ’الدخول إلى الداخل‘. الباب لا يقدّم شيئًا سوى أنّه مفتوح. ولا يُطْلَب شيء من الرجل حتّى يدخل، وكأنّه في الداخل من مجرّد وقوفه خارج الباب (أي أنّ القانون يستطيع الخروج إليه واقتحامه، بمجرّد وجوده العضويّ أمامه). “القانون يحافظ على نفسه (Se Garde) دون أن يحتفظ بها  (Keeps Itself Without Keeping Itself)، يحرسه حارس لا يحرس شيئًا، الباب مفتوح وهو كذلك على لا شيء” (Homo Sacer,” p 49″).

[8] مصدر سابق، صفحة 54.

[9] مصدر سابق، صفحة 182.

[10] مصدر سابق، صفحة 90.

[11] مصدر سابق، صفحة 8.

[12] مصدر سابق، صفحة 81.

[13] مصدر سابق، صفحة 115.

[14] في نصّ «التفكيك وإمكان العدالة»، يكتب جاك دريدا ما يلي: إنفاذ القانون (بالقوّة) Enforce The Law To  أو Enforceability Of The Law Or Contract حين نترجم هذه العبارة إلى الفرنسـيّة بعبارة ’تطبيق القانون‘ appliquer la loi، على سبيل المثال، فإنّنا نفقد تلك الإشارة الضمنيّة الحرفيّة المباشرة إلى القوّة الّتي تأتي من الداخل؛ لتذكّرنا أنّ القانون هو دائمًا عنف مُفوّض، عنف يبرّر ذاته وهو مبرّر في تطبيق ذاته (…) إنّ العنف متضمّن جوهريًّا في ذات مفهوم العدالة بوصفها قانونًا (Droit)، في العدالة حين تغدو قانونًا (Droit)، في القانون بوصفه قانونًا. تذكّرنا كلمة “إنفاذ القانون” بأنّه ليس هناك من قانون لا يتضمّن في ذاته، وبشكل قَبليّ a priori، في البنية التحليليّة لمفهومه، إمكانيّة “إنفاذه”؛ أي تطبيقه بالقوّة؛ ممّا لا ريب فيه، هناك قوانين لا تُنفَّذ، ولكن ليس هناك من قانون يفتقر إلى قابليّة الإنفاذ، وما من قابليّة لتطبيق القانون أو إنفاذه بدون عنف، سواء كان هذا العنف مباشرًا أو غير مباشر، جسديًّا أو رمزيًّا، خارجيًّا أو داخليًّا، وحشيًّا أو استدلالًا حاذقًا وتأويليًّا، إكراهيًّا أو ضبطيًّا، وما إلى ذلك” (“التفكيك وإمكان العدالة” البند أ/ ترجمة سعيد العليمي). ما يهمّنا في هذه الفقرة هو: 1. القدرة الكلّيّة لتنفيذ القانون وتطبيقه. 2. كون هذه “الكلّيّة”، من وجهة نظرنا، مميّزًا من مميّزات العقوبة.

[15] مصدر سابق، صفحة 90.

[16] جورجيو أغامبين 199-200.

[17] مصدر سابق، صفحة 202.

[18] مصدر سابق، صفحة 203-204.

[19] مصدر سابق، صفحة 206.

[20] المصدر الّذي استخدمه أغامبين لقصّة كافكا: In Spiegel und Gleichnis, ed. N. W. Bolz and W. Hübener. Würzburg: Königshausen und Neumann, 1983. (“Before the Law.” Trans. Avital Ronnell and Christine Roulston.

 


 

جمال مصطفى

 

 

 

من كفر كنّا في فلسطين، دَرَسَ الفلسفة والفيزياء، وهو عضو «جفرا – التجمّع الطلّابيّ» في «جامعة تل أبيب»، يكتب المقالة السياسيّة والثقافيّة.

 

 


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.