اخبار الشرق الأوسط

«القط المحاصر».. واقتناء السلاح النووي

لا شك لدى الكثير من مراقبي الشأن الخليجي، وأنا منهم، في أن ملالي إيران يسعون بكل قوة إلى امتلاك قدرات نووية عسكرية، وأن كل ما يحدث منذ قيام ثورة الخميني عام 1979 وحتى الآن على صعيد “التفاهم” مع الغرب بشأن سقف الطموحات النووية الايرانية، ليس سوى مسرحية تستهدف كسب المزيد من الوقت ومراكمة المعرفة التكنولوجية النووية وصولًا للحظة الإفلات بتصنيع أول سلاح نووي ومفاجأة العالم باختبار نووي إيراني.

قناعتي في هذا الشأن قائمة على التعمق في فهم الفكر السياسي الثوري الذي ينطلق منه الملالي في سلوكياتهم وإدارتهم للأزمات التي تحاصرهم واحدة تلو الأخرى، وهو فكر قائم على المراوحة بين الشد والجذب واللجوء إلى “التقية السياسية” التي تشكل محورًا لسلوك الملالي ومدخلا مهمًا للتعرف إلى جذوره وخلفياته ودوافعه، وفي هذا الإطار يمكنني قراءة ما يدور حول فتوى “تحريم”المرشد الإيراني الأعلى لامتلاك بلاده قنبلة نووية، واعتبر أن الاعتماد على هذه الفتوى في القطع بأن الملالي لا يسعون إلى “القنبلة” يمثل خضوعًا وانسياقًا وراء آلة الدعاية الايرانية، لأنه لا يمكن الاقتناع بصدقية هذه “الفتوى”في حين تمثل الطموحات النووية الايرانية السبب الرئيسي في أزمات نظام الملالي والصدام المستمر مع الغرب!

ولن أستغرق في التحليل واستدعاء الشواهد والأدلة والبراهين التحليلية الداعمة لوجهة نظري، بل اكتفى بتصريح مهم أدلى به وزير المخابرات الايراني محمود علوي مؤخرًا وقال فيه إن الضغط الغربي المستمر يمكن أن يدفع طهران إلى الدفاع عن النفس مثل “قط محاصر”والسعي لحيازة أسلحة نووية! قد يقول البعض أن هذا التصريح يأتي في سياق مناورات الملالي والتلويح بامتلاك سلاح النووي لدفع إدارة الرئيس الأمريكي الجديد جو بايدن لتبني موقف مرن وأقل حدة مما تعلنه منذ تسلمها السلطة في العشرين من يناير الماضي، وهذا أمر صحيح في ظاهره، ولكن ضغوط الملالي لا تفارق عادة خطوطًا محسوبة بعناية بالغة، ولا يمكن للنظام الوقوع في فخ التلويح بامتلاك سلاح نووي والتبرع باعتراف مجاني يمكن أن يكون ثمنه غاليًا بهذه البساطة.

يدرك الوزير الإيراني حين لوّح بفكرة “القط المحاصر” أن المرشد الإيراني الأعلى علي خامنئي قد أصدر منذ نحو عقدين، فتوى تحرم تطوير أو استخدام الأسلحة النووية، ولذا لم يكن يجرؤ على الحديث عن احتمالية تجاوز هذا الموقف ما لم يكن قد حصل على ضوء أخضر من المرشد ذاته بشأن التلويح بامكانية تجاوز “الفتوى”، سواء كان السبب هو مجرد التهديد ـ وأشك في ذلك ـ أو ترسيخ معطى استراتيجي جديد يشكل أساسًا لأي جولات تفاوضية مزمعة بين إيران والقوى الكبرى، وأشير في هذا الصدد إلى نص تصريح الوزير الايراني وتحديدًا قوله للتلفزيون الرسمي “قال الزعيم الأعلى بوضوح في فتواه إن الأسلحة النووية تناقض الشريعة وإن الجمهورية الإسلامية تعتبرها محرمة دينيا ولا تسعى لحيازتها”، ولكنه أضاف “لكن قطا محاصرا يمكن أن يتصرف بشكل مخالف لما يفعله عندما يكون طليقا، وإذا دفعت (الدول الغربية) إيران في ذلك الاتجاه فلن يكون الذنب ذنب إيران”، أي أنه هنا يشير للقاعدة ويشير كذلك للحالات التي تسمح بالتغاضي عنها، ويسعى لايجاد مبرر أو غطاء لتصرف الملالي وسعيهم لامتلاك سلاح نووي من خلال ترسيخ الخلاف القائم حاليًا حول الاتفاق النووي والابقاء عليه وصولًا للافلات بما يريدون!

يمكننا فهم بعض دوافع هذا التصريح المفاجىء من خلال التقارير الدولية المتواترة حول اقتراب الملالي من بلوغ سقف تخصيب اليورانيوم الذي يتيح لهم الانتقال إلى صناعة “القنبلة، ورغم أن هناك من يشكك في صحة هذه التقارير، فإن الواقع الذي لا يمكن التشكيك فيه يتمثل في هذا الشغف والرغبة الجامحة للهيمنة والتمدد الاستراتيجي الذي يطغى على سلوكيات النظام الايراني، بل ويعتبر المحرك الأول لسياساته الاقليمية، وهناك ارتباك قسري بين هذه الرغبة وسعي الملالي لامتلاك قدرات عسكرية غير تقليدية من أجل بناء ما يمكن وصفه بتوازن الرعب مع من يعتبرهم أعداء له، وهنا يمكن القول بأن الملالي يسابقون الزمن لامتلاك قدرة ردع تحول دون التعرض لضربة عسكرية تفتح الباب لا محالة أمام انهيار النظام أو سقوطه، وهذه كلها حقائق لا يمكن انكارها، وتصب في سلة التأكيد على أن تصريح الوزير الايراني ليس “سقطة”أو “زلة لسان”أو تهديد بل هو بوح مباشر بما تنطوي عليه الصدور، ولا يجب أن ننسى هنا أن المتحدث هو وزير المخابرات، أحد الشخصيات الأكثر قربًا، بحكم منصبه على الأقل ـ من المرشد الأعلى، وهو أيضًا حامل مفاتيح أسرار الكهنوت الايراني، ويجب التعامل مع تصريحه بجدية بالغة.

الخلاصة أن “القط المحاصر”بات في ظل العقوبات القائمة، أكثر اقتناعًا ورغبة وشغفًا بامتلاك سلاح نووي، وأن كل المساعي الرامية إلى تأجيل محاولاته في هذا الشأن لا تحقق استقرارًا اقليميًا وعالميًا مستدامًا، بل هي مجرد “مسكنات”لألم سيقض المضاجع لاحقًا، ولذا فإن مهمة إدارة الرئيس بايدن لا يجب أن تتوقف عند حد التأجيل بل من الضروري أن تشمل عقبات وقيودًا فعالة ودائمة تنهي طموحات وأحلام الملالي النووية، وتضمن لمنطقة الشرق الأوسط الأمن والاستقرار بشكل حقيقي.


المصدر:الجورنال

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.