Jannah Theme License is not validated, Go to the theme options page to validate the license, You need a single license for each domain name.
اخبار الشرق الأوسط

مقال من فلسطين

يستخلص هذا المقال المبادئ العامة للحرب الجارية الآن داخل قطاع غزّة وعلى حدوده الشرقيّة، عبر فهم الأبعاد النفسيّة والاجتماعيّة المترتبة على المسار العمليّاتي للأيام الأولى من الحرب، وما رافقها من تغطيةٍ إعلاميّة. ويقدّم مادةً للقارئ تفيد في إدراك التحوّل النوعي الذي أفضت له معركة طوفان الأقصى، في الوعي الجمعي الفلسطيني من جهة، وفي المؤسسة العسكريّة الإسرائيليّة من جهةٍ أخرى.

أولًا: في الجانب الفلسطيني

في السادس والعشرين من مايو 2021 بدا مشهد جبل المحامل مختلفًا تمامًا من وراء يحيى السنوار أثناء خطابه بعيد معركة سيف القدس؛ مَن يحمل الجبل الآن هو شابٌ مقاتِلٌ واثقٌ من نفسه وينظر إلى الأمام، على العكس تمامًا من الصورة السابقة التي تستحضر مشهد التهجير والتشريد، متجسّدًا في رجل عجوز لا يملك إلّا أن يخفض رأسه ويستجدي تعاطف الناظر إليه. يمثّل الفرق الرمزيّ بين الصورتين تحوّلًا في الذهنيّة الفلسطينيّة، من نخبٍ تعمل على إنتاج تاريخ الشعب الفلسطيني كتاريخٍ لضحيةٍ مقابل مجرم لا ثالث في المعادلة بينهما، إلى إيمانٍ راسخٍ بأنّ التاريخَ هو ما يجعله الفاعلونَ فيهِ تاريخًا.

يقف هذا التحوّل على علامةٍ فارقةٍ في الوعي الفلسطينيّ، دأبت المقاومة على ترسيخه في الذهن الجمعي عبر مثابرتها و”تجرؤها” على ضرب إسرائيل، مرّةً تلوَ الأخرى؛ في ارتفاعٍ لقوّة الضربِ تناسبيًا Proportionally مع مراكمة الخبرة العسكريّة، ومفاجأة إسرائيل في كل مواجهة، والقدرة على الحركة في مساحاتٍ صغيرة ومُحاصرة بالإضافةِ لخلق فضاءاتٍ آمنة لا تقدر إسرائيل الوصولَ إليها.

الآن، ليس الفلسطيني هو ذلك الذي لا يعرف إلّا استجداء العدالة من مؤسسات متنفّذةٍ باتَ الحديثُ عن اصطفافها في معسكرِ إسرائيل من بديهيات السياسية (أو انحطاطها)، التي ملّ من تكرارها المواطن العربي والفلسطيني، بل هو قادر على الفعل واستلام زمام المبادرة، وأكثر من ذلك على الإبداع العسكري والتفكير في مواجهة إسرائيل في مجالها الأكثر حيويّةً، والممثل الأكبر لتفوّقها الكاسح أمام العرب مجتمعين (سلاح الجو)، وإن كان سرب صقر ومتبَر 1 ومسيّرات الزواري هي التجسيد الأوّلي لهذا التفكير.

تقوم معركة طوفان الأقصى على ممارسة هذا الوعي، واستجماعٍ للخبرات المكتسبة عبر التجربة. إن التفكير بالمعركة بهذا السياق يجبر الناظر على إعادة إنتاج المسار السياسي والعسكري في العامين الأخيرين نظريًا بوصفهما جزءًا من التحضير والتمرين على مواجهة السابع من أكتوبر، وقراءة معركة سيف القدس بوصفها التصوير الأول لطوفان الأقصى، وانبناء الأخيرة على تجميع ما أنجز في سالف العقود في إنجازٍ واحد- بالإضافة للإبداع العسكريّ.

من العوامل الأساسيّة الذي يساهم هذا التفكير في إدراكها، هو إضفاء معنىً مختلف للمواجهة العسكرية بين الفلسطينيين وإسرائيل يفوق أهدافَ “إلحاق الضرر بالاقتصاد الإسرائيلي” وبالتالي الانشغال في حساب تكلفة صواريخ القبّة الحديدية، أو “إيقاع الخسائر في صفوف جيش إسرائيل” أو “رد العدوان وإفشال أهدافه”، وهي أهداف مهمة ومفصليّة بالنسبة للمقاومة الفلسطينيّة، تجعل احتلال إسرائيل للشعب الفلسطيني مكلفًا جدًا، لكن جميعها توجّه النظر إلى الطرف الإسرائيلي. إن النقلة النوعية في المعنى هي استدارة النظر إلى الأهداف الفلسطينيّة والعمل على تحقيقها، بدءً من حماية المقدّسات الدينيّة حتى “تبييض السجون”؛ هذه مكاسب عملية ومباشرة للشعب الفلسطيني. هذا شكلٌ جديدٌ للأهداف العسكريّة يعمل ضمن “ذاتٍ فلسطينيّة” واعيةٍ لذاتها، ويؤكد على أن إرادة الفعل لا تشتق من الضرورة والممكن، بل من الحريّةِ في التفكير، وفي استشراف المستقبل بوصفه مستقبلَ تحقيق هذه الإرادة.

إن ما يثير الدهشة هو الواقعة ذاتها، وقدرة كتائب القسّام على الجمع التوافقي بين عناصر الخبرة العسكريّة لديها، وتكثيف وتيرة كلٍ منها، والقدرة على إبداعِ عناصرَ جديدة، وإجراءِ تجربةٍ ناجحةٍ من أول محاولة.

في المستوى العمليّاتي، عملت المقاومة على قلب أدوات إسرائيل الأمنيّة بشكلٍ يكاد يكون كليّ، وضغط مبدأ قتال العدو بأدواته إلى أضيق أبعاده الممكنة. في السابع من أكتوبر، إضافةً لما أسلفنا، استخدمت المقاومة الفلسطينيّة أدوات إسرائيل ذاتها لمحاربتها من داخل أراضيها؛ تحوّل مفهوم المستوطنات المحيطة بالقطاع منذ هذا التاريخ فصاعدًا، من عازل “يغلّف” قطاع غزة بالمستوطنات البشريّة والعسكريّة ويقصيه عن صحراء النقب والتمدد الاستيطاني في “وسط إسرائيل”، إلى نقطة تماسٍ مباشرة ومساحةٍ للمواجهةِ العسكريّة من مسافة صفر؛ أي عبء.

إن النظام العسكري والأمني الجديد في إسرائيل يعني، أولًا وقبل كل شيء، الحضورَ في كلِّ مكان يمكن الوصول إليه، وبناءِ واقعٍ فيه احتمالٌ ضئيل جدًا لحدوث غير المؤلف، وتوقّعه والعمل على محاصرته والقضاء عليه بسرعةٍ هائلة حال وقوعه، والتكيف مع مستجداتِ تداعياته، ما يسمّى بـِ “تجديد الردع”؛ مع أخذ السابع من أكتوبر في عين الاعتبار، فإن جميع هذه التعبيرات التي نطق بها المسؤولون الأمنيون في تحليل طبيعة تغيّر العدو من جيوشٍ نظاميّة إلى جماعات وتنظيماتٍ مسلّحة باتت “مثيرة للسخرية”.

زد على هذا قلب الأدوات السياسيّة وليس فقط الأدوات الأمنيّة، حيث عملت المقاومة على تحويل مبدأ “أكثر مساعدات اقتصاديّة أقل تصعيد عسكري” المبني على افتراض نفور القاعدة الشعبيّة من التصعيد العسكري، إذ سيوقف حدوث الأخير تفعيل الأولى، إلى تمويهٍ أمنيّ. وبغض النظر عن الفوقيّة التي تبنى عليها هذه السياسية المستندة إلى عدم وجود طموح سياسي لدى الفلسطينيين ورغبة بالحريّة، بل إن الذي يهمهم هو التشغيل واستمرار حياتهم البيولوجيّة، فإن المراقب سوف يدهش من مدى طمأنينة الأغلبيّة الساحقة من النخب الأمنيّة والسياسيّة والأكاديميّة تجاه عدم رغبة حماس بالتصعيد العسكري نتيجةً لتطبيق هذه السياسة. لم تتصرف حماس كما تريد لها إسرائيل التصرّف.

موازاةً، فإن العناصر الثلاث التقليديّة للعقيدة الأمنيّة الإسرائيلية؛ 1- الردع، الذي يعتمد على مبدأ “التهديد بالكمون”. 2- الإنذار الاستراتيجي، الذي يعتمد على الاستخبارات العسكريّة. 3- الحسم السريع، الذي يعتمد على تقدير قوّة العدو وسحقها بسرعةٍ فائقة تفقده روحه القتالية وعزيمته على مواصلة القتال. هذه العناصر الثلاث التي يتم تلخيصها في مبدأ “نقل المعركة إلى أرض العدو”، تحوّلت إلى رماد مع الساعات الأولى للقتال.

ثانيًا: في الجانب الإسرائيلي

في المقابل، تعمل إسرائيل على إنجاز أركان الإبادة في المستوى الخطابي والسياسي والعمليّاتي. منذ الأيام الأولى للحرب، انشغل الإعلام الإسرائيلي في إنتاج دور الضحيّة الساذجة، التي كانت تعمل على تحرير تصريحات العمل للعمال الغزيين وفتح المعابر وتمرير التسهيلات الاقتصاديّة، بينما كان الفلسطينيّون يعدّون العدّة لهجومٍ عسكريّ. يبني الإسرائيلي هنا تسويغًا عقلانيًّا للكراهية ويقدّم غزّة كناكرةٍ للجميل وصاحبةِ نيةٍ خبيثة، وبالتالي فإنّها تستحق العقاب القاسي الذي تلقاه الآن، وعلى الإسرائيليين أن يكفّوا عن سذاجتهم وحسن نيتهم في التعامل مع الفلسطينيين، إذ لا أمل من مساعدتهم.

ولم يتورّع الإعلام الغربي في استخدام تشبيه هجوم حماس على المنشآت العسكريّة والمستوطنات بأحداث 11 سبتمبر التي أنتجت فرزًا عالميًا يقف على ثنائيّةٍ بالغةِ الصلابة: إما مع الولايات المتحدة أو داعمٍ للإرهاب، وبالتالي فإن المعادلة الإسرائيلية المقابلة لهذا التشبيه تقومُ على ضمان “غطاءٍ دوليّ يمنح هامشًا أكبر من حريّة التحرّك”، بتعبير رئيس حكومة إسرائيل، للشروع في سكب الدم الفلسطيني على الأرض دون رادع، هي تثبيتٌ لذات الثنائيّة الصلبة: إما مع إسرائيل أو داعم للإرهاب. لا يُفهم هذا التشبيه خارج التحريض على الدم. وقد رافق الدعاية الإعلامية “دعم عسكريّ غير مشروط” يستند إلى الثقةِ بإسرائيل على استخدامه “بالشكل الصحيح”، كما جاء على لسان وزير الدفاع الأميركي لويد أوستين. وقد أضاف الوزير في مكانٍ آخر: “هذا ليس وقت الحياد. من يريد السلام والأمن في المنطقة عليه العمل على إبادة حماس”.

تشترط الإبادة “نزع الإنسانيّة عن العدو” و”تحييد الأخلاق في التعامل معه” وضمان عدم اشمئزاز الجمهور من مظاهر القتل الغوغائيّة حالَ مشاهدته لها، وهذه عناصرٌ لا يحتاجُ استيفاؤها إلى جهدٍ كبير حيث المجتمع الإسرائيلي معبّأ؛ إنهم يؤمن -فعلًا- أن أهل غزّة دونَ البشر، وقد تكّثف هذا التعبير بصيغة رسميّة على لسان وزير الدفاع الإسرائيلي الذي وصف أهل غزة بالحيوانات، وبالتالي فإن هذه “حرب إنسانيّة، ومن أجل الإنسانيّة”. لقد وصل الجنون الصهيوني في الخطاب الإعلامي إلى فرضيّةٍ مفادها أن أنفاق حماس محفورة تحت مستشفى الشفاء، وبالتالي فإن هدم المستشفى هو ضرورةٌ إنسانيّة. وهكذا.

بالتأكيد، لا تعمل العقلانيّة الإسرائيليّة على هذا الجنون، حيث تعني الإبادة الجماعيّة إحلال البيروقراطيّة الترشيديّة مكان الاعتباط والغضب الانفعالي، وتحييد المشاعر أثناء العمل، والاعتماد على الكفاءة بدل الاندفاع غير العقلاني، وتحكيم أصحاب المعرفة والتخصص في الشأن العينيّ من أجل وضع خطط ناجعة تضمن تحقيق الإبادة، الأمر الذي يفسّر استبعاد من يوصفون بـ “الأكثر تطرّفًا في تاريخ إسرائيل” (معدومي الخبرة العسكريّة) من الصهيونيّة الدينيّة عن مجلس الحرب المصغّر، واستدعاء رؤساء سابقين لهيئة الأركان الإسرائيليّة من أجل إدارة الحرب.

لا تستطيع إسرائيل استيعاب وتقبّل ما حصل في صباح السابع من أكتوبر؛ ترفض الفوقّية العرقيّة اليهوديّة تقبّل حقيقة انهيار فرقة غزّة أمامَ كتائب القسام خلال ساعات معدودة، وانهيار معنويّات المجتمع الإسرائيلي بشكلٍ دراماتيكيّ، ووصول أكثر من 1800 مكالمة إلى المركز الحديث النشأة لإحصاء المفقودين في الحرب التابع لوحدة لاهف 433، والخداع الاستراتيجي الذي وقعت فيه المؤسسة الأمنيّة في إسرائيل، من الانشغال بخيمة حزب الله حتى الاقتناع بعدم رغبة حماس في التصعيد، ناهيك عن الأرقام المهولة في القتلى والمصابين التي تتصاعد مع كتابة هذه الأسطر. أولئك الذين سوف تهدم بيوتهم على أي حال، أقل بكثير من أن يفعلوا هذا.

وحال التفكير في الحرب البريّة (التي تنشغل العقلانيّة الإسرائيليّة في بناءِ هدفٍ محدد لها يمكن الإشارة إليه بالإصبع والعمل على تحقيقه، إذ تفتقر فكرة الحرب البريّة حتى الآن إلى هذا العنصر الأساسي فيها)، فإن حديث التيار الرئيس في المجتمع الإسرائيلي ينصب في ما سيتلوها وتكلفةِ نجاحها، بينما يقف القلق الإسرائيلي على مجرّد حساب قدرة المجتمع على تحمّل هذه التكلفة البشرية والاقتصاديّة، وملء الفراغ السياسي الناتج عن اجتثاث حماس بوصفه الهدف الأكثر احتمالًا لهذه الحرب، دون أن يأبهوا في عناء التفكير في إمكانيّة فشلها. إن فوقيّتهم لا تتقبل احتمالًا كهذا بالرغم من النجاح الباهر للعمليّات العسكرية في اليوم الأول من الحرب، الذي يتمثّل، من ضمن ما يتمثّل به، في الإجهاز على فرقة غزّة التي من المفترض أن تُقدِم على هذا النوع من الحروب، وبالتالي، الوقت الطويل الذي ستحتاجه تعبئة الجندي الإسرائيلي بعد “كسر عزيمته على القتال” من أجل خوض المعركة البريّة.

صحيح أن الحكم غير المباشر للتجمعات السكّانية الفلسطينيّة، الذي سينتج عن الحرب كما ترجّح التحليلات الإسرائيليّة، شكّل ورطةً تاريخيةً لإسرائيل، واهتزازًا دائمًا في القدرة على موازنة السيطرة العنيفة على هذه التجمّعات وتوظيف حاكم يحتكر الفاعلية السياسية لديها في مقابل توسيع هامش المراوغة وصعود عمليّات المقاومة تبعًا لتوسيع هذا الهامش، كما يشرح البحثان هاني عواد ومريم هواري في دراستهما المهمة “إعادة التفكير في شرط الحكم غير المباشر”، إلا أن المجتمع الإسرائيلي لا يفكر في هذا الجانب على المستوى العملي، بل إنهم يفكرون بهذا كأن يقولون “يا لهول المصيبة، لن نتخلص من غزّة حتى بعد القضاء على حماس”، الأمر الذي يدفع بخيار التهجير والإبادة إلى مستوياتٍ أكثر فاعليّة وإقناع في مسألة “استرجاع الأمن في الجنوب”.

وعلى أي حال، فإن الإشكال الأساسي في الحرب البريّة هو بناء المقاومة لمساحةٍ خارجةٍ عن التمثيلات الذهنيّة التي يمكن أن تتكوّن لدى القيادة العسكريّة حال وضعها لخطّة الدخول إلى غزّة عبر جمع البيانات الرقميّة والاستخباراتيّة والصور من الأقمار الصناعيّة وغيرها من المعلومات الناجمة عن آليات المراقبة المحيطة بقطاع غزة والفاقدة للمعرفة المباشرة بطبيعة المدن والشوارع فيه، بالإضافة لفرضيّةٍ لا تقفُ على احتماليةٍ عاليةِ التحقق، هي الاستفادة من التحقيق مع مقاتلي القسام الذين أسرتهم إسرائيل (بحسب إذاعتها العسكرية) أثناء الاشتباكات الأخيرة. ليس فقط أن التمثيل الذهني، بذاته، لا يتطابق مع الواقع ويخضع للفهم والتأويل الذاتي للمرئي والظاهر من الأشياء، وبالتالي فإن نقل المعلومات الاستخباراتيّة إلى مستوى عمليّاتي يمكن فهمه واستخدامه في الحرب يقف على معضلةٍ أساسيّةٍ هي الطبقات المختلفة التي تتنقل فيها المعلومات من المستوى الصوري والرقمي والتقني، إلى تمثيلٍ ذهنيٍ بشريٍ يمكن فهمه، ومن ثم نقله إلى أرض المعركة. في حين أن الأنفاق التي على القيادة العسكريّة في إسرائيل التعامل معها خارجة أصلًا عن إمكانِ تمثيلها ذهنيًا، وفي أفضل الأحوال، تستطيع القّوات البرية الإسرائيليّة الترجيح العقلي المفتقد للتجربة من أجل تفادي أكبر قدر ممكن من الضرر الذي سيلحق بها حتمًا. إنها تواجه فضاءً مجهولًا.

عودة إلى موضوعنا. يشتمل مصطلح “الحرب البرّية” ذاته، على مجازٍ تضليليّ يقصي التفكير في الإبادة التي باتت الآن تشكّل هوسًا في الذهنيّة الصهيونيّة. يفكّر المجتمع الإسرائيلي خلال هذا المصطلح بجنود الجيش الإسرائيلي الذين سوف يقدمون على هذه الحرب، ويعمّق (أي المصطلح) عاموديًا المشاعر الخاصة للمجتمع الإسرائيلي المنغلقة على ذاتها، أو بتعبير آخر، المتمحورة في دائرة تقصي خارجها قتل الأطفال وهدم الأحياء، ليخلق مساحةً هائلة مع الآخر الفلسطيني تساهم في تحييد التفكير الأخلاقي تجاه ما تحتمله هذه الحرب البريّة من ضروراتٍ سوف تسكب المزيدَ من الدماء الغزيّة؛ أنها حربٌ بريّةٌ سوف تحصل – هناك بعيدًا عنا، لن نشمّ رائحة الدماء، وسوف يتكفّل الإعلام العبريّ ببث بطولات الجيش والتطوّر التقني المساهم في إتمام التهجير والقتل، بدل القتل نفسه. بناءً عليه، لن ينشغل الإسرائيلي بالتفكير في الدم المسكوب على الأرض (على الرغم من رغبة قطاعٍ واسعٍ لدى المجتمع الإسرائيلي في رؤية هذه الدماء والتشفّي منها)، بل سوف يسرقه جمال الصواريخ والدبابات، وانسيابيّة اندفاعها، وطرازها الحديث، واسمها، ورشاقة حركتها، ووزنها، وقوّة تدميرها، وسرعتها، ولونها، وقدرتها على تخفيف مشاعر الحزن لديه، وتنفيس الغضب، وزيادة الحقد، وسلامة الجندي الإسرائيلي عند إطلاقها وإشرافه على عمليّات الإبادة.

تلخيص:

عَمِلَ هذا المقال على تبيين للمبادئ العامة التي تحكم الحرب الدائرة الآن، بينَ طرفٍ واثقٍ من ذاته ويتطلّع إلى حريّته في مقابل ماكينة القتل مهزوزة الثقة؛ إن الشعب الفلسطيني في هذه الحرب فعلًا يتفوّق أخلاقيًا على المستعمر، لكن ليس بهيئة المستعمَر المظلوم (كما أشرت في مكانٍ آخر) بل بهيئة الفاعل في مصيره.


المصدر: عرب 48

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *